الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

تنقيح المقال 289

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

إلى مسلم ولكن جائني مستجيرا فاستحييت من ردّه ودخلني عند ذلك ذمام فضيفته فامّا إذا علمت فخلّ سبيله حتى ارجع اليه وامره بالخروج من دارى إلى حيث شاء من الأرض لأخرج بذلك من ذمامه وجواره فقال له ابن زياد لعنه اللّه واللّه لا تفارقني ابدا حتّى تاتنى به فقال واللّه لا أجيئك به ابدا أجيئك بضيفى تقتله قال واللّه لتأتيني به قال لا واللّه لا أتيك به إلى أن قال فقال ابن زياد ادنوه منّى فادنى منه فقال واللّه لتأتيني به أو لاضربنّ عنقك فقال إذا تكثر البارقة حول دارك إلى أن قال فاستعرض وجهه بالقضيب فضرب انفه وجبينه وخدّه حتى كسر انفه وسيل الدّماء على ثيابه ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته فانكسر القضيب فضرب هانى يده إلى قائم سيف شرطي فجاذبه ذلك الرّجل فصاح ابن زياد لعن خذوه فجرّوه حتى القوه في بيت من بيوت الدّار واغلقوا عليه بابه فقال اجعلوا عليه حرسا ففعل به ذلك إلى أن قال ثم امر بهانى فأخرج ليقتل فجعل يقول وامذحجاه واين منّى مذحج واعشيرتاه واين منّى عشيرتي فقالوا مدّ عنقك فقال واللّه ما اتا بها بسخى وما كنت لاعينكم على نفسي فضربه غلام لعبيد اللّه بن زياد يقال له رشيد لعن فقتله رضى اللّه عنه انتهى وربّما توقف بعضهم في حال الرّجل نظرا إلى انّ قوله لابن زياد اتاني مستجيرا فاستحييت وقوله أجيئك بضيفى تقتله يورث احتمال أن تكون نصرته لمسلم للشيمة العربيّة وأنت خبير بانّ ما ذكره لابن زياد ابداء عذر في مقام الضّرورة والّا فما دعاه إلى نصرته الّا الدّين كما يكشف عنه قوله لابن زياد على ما رواه العلّامة الطّباطبائى واللّه لو كانت رجلي على طفل من أطفال هذا البيت ما رفعتها حتى تقطع وقد ذكره الشيخ المفيد ره في الارشاد مترحّما عليه مكرّرا وهو دليل جلالته مضافا إلى ما رواه فيه من قوله فقال يعنى الحسين ( ع ) لما سمع بخبر مسلم وهانى انّا للّه وانّا اليه راجعون رحمة اللّه عليهما يردّد ذلك مرارا انتهى وفي التّكملة انّه اشتهر عن السيّد مهدى يعنى بحر العلوم قدّس سره سوء ظنّه به وهي النّظرة الأولى ثمّ اطلع على هذا وأمثاله فتاب عمّا ظنّه فيه ورثاه بقصيدة معتذرا وأقول قد اطنب العلّامة المعظم في ترجمة الرّجل غايته باستقصاء ما ذكره أهل السّير في ترجمة الرّجل بعبارات مختلفة ثمّ اخذ في اثبات حسن حاله ودفع ما يتوهّم خلافه بقوله وهذه الأخبار على اختلافها في أمور كثيرة قد اتفقت وتطابقت على انّ هانى بن عروة قد أجار مسلما وحماه في داره وقام بأمره وبذل النّصرة وجمع له الرّجال والسّلاح في الدّور حوله وامتنع من تسليمه لابن زياد لعنه اللّه وأبى عليه كلّ الآباء واختار القتل على التّسليم حتى أهين وضرب وعذب وحبس وقتل صبرا على يد الفاجر اللّعين هذه جملة كافية في حسن حاله وجميل عاقبته ودخوله في أنصار الحسين ( ع ) وشيعته المستشهدين في سبيله وناهيك بقوله لابن زياد لعنه اللّه في بعضها فانّه قد جاء من هو احقّ من حقّك وحقّ صاحبك وقوله لو كانت رجلي على طفل من أطفال أهل البيت ما ؟ ؟ ؟ رفعتها حتى تقطع ونحو ذلك ممّا مضى من كلامه مما يدلّ على انّ ما فعله قد كان عن بصيرة دينيه لا عن مجرّد الحمية وحفظ الذّمام ورعاية حقّ الضّيف والجار ويؤكّد ذلك ويحقّقه قول الحسين ( ع ) لما بلغه قتله وقتل مسلم رحمه اللّه عليهما وتكرار ذلك مرارا متعدّده وقوله ( ع ) قد اتانا خبر فضيع قتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة وعبد اللّه بن يقطر وما رواه السيّد بن طاووس في كتاب اللّهوف على قتلى الطّفوف بانّه لما اتى خبر عبد اللّه بن يقطر وذلك بعد ما اخبر بقتل مسلم وهانى استعبر باكيا ثمّ قال اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريما واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ رحمتك انّك على كلّ شئ قدير وقد ذكر أصحابنا رضوان اللّه عليهم لهانى بن عروة زيارة يزار بها الآن صريحة في انه من الشّهداء السّعداء الذين نصحوا للّه ولرسوله ومضوا في سبيل اللّه برحمته ورضوانه وهي هذه سلام اللّه العلىّ العظيم وصلواته عليك يا هانى بن عروة السّلام عليك ايّها العبد الصّالح الناصح للّه ولرسوله ولأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السّلام اشهد انّك قد قتلت مظلوما فلعن اللّه من قتلك واستحلّ دمك وحشى قبورهم نارا اشهد انّك لقد لقيت اللّه وهو راض عنك بما فعلت ونصحت واشهد انّك قد بلغت درجة الشّهداء وجعل روحك مع أرواح السّعداء بما نصحت للّه ولرسوله مجتهدا وبذلت نفسك في ذات اللّه ومرضاته فرحمك اللّه ورضى عنك وحشرك مع محمّد واله الطّاهرين وجمعنا وايّاك معهم في دار النّعيم والسّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته وذكروا له صلاة بعد الزّيارة ووداعا بما يودع به مسلم ابن عقيل ويبعد ان يكون مثل هذا من غير نصّ وارد واثر ثابت ولو لم يكن ذلك منصوصا ففيما ذكروه رحمهم اللّه شهادة منهم بشهادته وسعادته ونبله وجلالته وحسن خاتمته وقد وجدنا شيوخ أصحابنا كالمفيد ره وغيره يعظّمونه ويعقّبون ذكره بالترضية والترحّم ولم أجد أحدا من علمائنا طعن عليه أو غمز فيه وما يظهر من الأخبار من دخول هانى على ابن زياد لعنه اللّه حين اتى الكوفة واختلافه اليه فيمن اختلف من أعيانها واشرافها حتّى جاء مسلم فلا يقتضى طعنا فيه لانّ امر مسلم كان مبنيا على التستّر والإستخفاء وكان هانى رجلا مشهورا يعرفه ابن زياد ويصادقه فكان انزوائه عنه يحقّق عليه الخلاف وهو خلاف ما كانوا عليه من التستّر فلذا الزمه الاختلاف اليه دفعا للوهم فلمّا لجأ اليه مسلم انقطع عنه خوفا وتمارض حتّى يكون المرض عذرا فجائه من الأمر ما لم يكن في حسابه وامّا نهيه مسلما عن التعجيل في الخروج فلعلّه رأى انّ المصلحة في التأخير حتّى يتكاثر النّاس وتكمل البيعة ويصل الحسين ( ع ) إلى الكوفة ويتهيّأ لهم الأمر بسهولة ويكون قتالهم مع الإمام ( ع ) مرّة واحد وامّا منعه من قتل ابن زياد في داره فقد عرفت اختلاف الأخبار في ذلك وفي بعضها « 1 » انّه هو الّذى أشار بقتله وتمارض لابن زياد حتّى يأتيه عايدا فيقتله مسلم وقد مرّ عتابه ايّاه على ترك قتله بعد تهيئته له بسهولة واعتذار مسلم تارة بتعلّق المرأة وبكائها في وجهه ومناشدتها في ترك ما همّ به وأخرى بحديث الفتك وهذا هو المشهور عنه وقد ذكره السيّد المرتضى ره في تنزيه الأنبياء مقتصرا عليه وامّا قوله لابن زياد وقد سئله عن مسلم واللّه ما دعوته إلى منزلي ولا علمت بشئ من امره حتى جائني يسئلني النّزول فاستحييت من ردّه وداخلني من ذلك ذمام فقد قال ذلك لابن زياد يريد التخلّص منه ومن البعيد ان يأتيه مسلم من غير ميعاد ولا استيثاق ويدخل في أمانه وهو لا يدرى به ولم يعرفه ولم يختبر وكذا عدم اطلاع هانى وهو شيخ المصر وسيّده ووجه الشيعة على شئ من امره في تلك المدّة حتّى دخل عليه بغتة وفاجئه باللّقا مرّة ومن ذلك يعلم ما فيما في روضة الصّفا وحبيب السير من نقل قول هانى لمسلم حين دخل عليه لقد اوقعتنى في عناء وتكليف ولولا انّك دخلت دارى لرددتك مع انّى لم أجد ذلك الّا في هذا الموضع وساير الكتب المعتبرة خالية عنه ثمّ نقل « 2 » عن ابن أبي الحديد في شرح النّهج نقل حكايتين في هانى إحديهما مادحة لا يهمّنا نقلها وقد خطائه في التطبيق والأخرى قادحة وهي انّه ذكر في شرح كلمات أمير المؤمنين ( ع ) القصار عند قوله ( ع ) الة الرّياسة سعة الصدر ما لفظه انّ معاوية بن أبي سفيان لعنه اللّه كان واسع الصّدر كثير الاحتمال وبذلك نال من الدّنيا ما نال وبلغ ما بلغ وان كان مذموما في الدّين ثمّ أورد له في ذلك حكايتين الأولى انّ أهل الكوفة وفدوا على معاوية حين خطب لابنه يزيد بالعهد بعده وفي أهل الكوفة هانى بن عروة المرادي قال وكان سيّدا في قومه فقال يوما في مسجد دمشق والنّاس حوله العجب لمعوية يريد ان يقسرنا على بيعة ابنه يزيد وحاله حاله وما ذاك واللّه بكائن وكان في القوم غلام من قريش فتحمل الكلام إلى معاوية فقال له معاوية أنت سمعت هانيا يقولها قال نعم قال فأخرج فات حلقته فإذا خف النّاس عنه فقل ايّها الشّيخ قد وصلت كلمتك إلى معاوية لعنه اللّه ولست في زمين ابيبكر وعمر ولا احبّ ان تتكلّم بهذا الكلام فانّهم بنو اميّة وقد عرفت جرئتهم واقدامهم ولم يدعني إلى هذا القول الّا النّصيحة لك والإشفاق عليك فانظر ما ذا يقول فأتني به فاقبل الفتى إلى مجلس هانى فلمّا خف

--> ( 1 ) تضمن ذلك ما نقله في مقاتل الطالبين لأبي الفرج الاصفهاني ومثير الأحزان لجعفر بن محمد بن نما وكتاب السياسة والامامته لعبيد الله بن مسلم بن قتيبة ومقتل الشيخ فخر الدين من طريح وقد نقل العلامة اى العلامة الطباطبائي ( 2 ) الطباطبائي ره عيان كلماتهم فلاحظ