الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

تنقيح المقال 205

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

عليه السّلم قد ابتلى بالمختار ومنها ما يأتي في ترجمة المغيرة بن سعيد من مسند الكشّى عن أبي عبد اللّه عليه السّلم المتضمّن لقوله ( ع ) وكان المختار يكذب على علىّ بن الحسين ( ع ) ومنها ما عن البحار والتهذيب « 1 » وغيرهما مسندا عن سماعة قال سمعت أبا عبد اللّه ( ع ) يقول إذا كان يوم القيمة مرّ رسول اللّه ( ص ) بشفير النّار وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السّلم فيصيح صائح من النار يا رسول اللّه ( ص ) اغثنى ثلثا فلا يجيبه فينادى يا أمير المؤمنين ثلثا اغثنى فلا يجيبه فينادى يا حسين ( ع ) ثلثا اغثنى انا قاتل أعداءك قال فيقول له رسول اللّه ( ص ) قد احتج عليك قال فينقضّ عليه كانّه عقاب كاسر فيخرجه من النّار قال فقلت لأبي عبد اللّه ( ع ) ومن هذا جعلت فداك قال المختار قلت له ولم عذّب بالنّار وقد فعل ما فعل قال انّه كان في قلبه منهما شئ والّذى بعث محمّدا ( ص ) بالحقّ لو انّ جبرئيل وميكائيل كان في قلبهما شئ لاكبّهما اللّه في النار على وجوههما وقد روى الخبر في المنتخب بمثل ما ذكر الّا انّه ابدل قوله ( ع ) انّه كان في قلبه منهما شئ اه بقوله ان المختار كان يحب السّلطنة وكان يحبّ الدّنيا وزينتها وزخرفها وانّ حبّ الدّنيا راس كلّ خطيئة لانّ رسول اللّه ( ص ) قال والذي بعثني بالحقّ نبيّا لو انّ جبرئيل وميكائيل كان في قلبهما ذرّة من حبّ الدّنيا لاكبّهما اللّه على وجههما في النّار ومنها ما عن البحار عن كتاب المختصر « 2 » للشّيخ حسن بن سليمان انّه بعث المختار بن أبي عبيدة إلى علي بن الحسين ( ع ) بمائة ألف درهم فكره ان يقبلها منه وخاف ان يردّها فتركها في بيت فلمّا قتل المختار كتب إلى عبد الملك يخبره بها فكتب اليه خذها طيّبة هنيئة فكان علي ( ع ) يلعن المختار ويقول كذب على اللّه وعلينا لانّ المختار يزعم انّه يوحى اليه وإذ قد عرفت ذلك كلّه فاعلم انّ الأصحاب اجملوا الخلاف في مدحه وذمّه ولم يعيّنوه من أىّ وجه ومع هذا لم يفت أحد فيه بمدح ولا ذمّ وتحقيق المقال في هذا المجال يستدعى وضع الكلام في جهتين الأولى في بيان عقيدته ومذهبه لا ريب ولا اشكال في اسلامه بل كونه امامي المذهب بل الظّاهر اتفاق الخاصّة والعامّة عليه بل الحقّ انّه كان يقول بامامة مولينا السجّاد ( ع ) والّذى يدلّ على ما ذكرنا انه لم يلق رسول اللّه ( ص ) وانّما سمع من أمير المؤمنين ( ع ) انه يقتل كذا وكذا ألفا من بنى اميّة والعامي لا يعتقد في علي ( ع ) العلم بالعواقب باذن اللّه تع وتوفيقه وانّما هو مذهب الإماميّة فجزمه بما سمعه من أمير المؤمنين ( ع ) على وجه يخبر جزما بانّ أمير الكوفة لا يتمكّن من قتله حتى يقتل كذا وكذا ألفا من أعوان بنى اميّة وانه ان قتله يحيه اللّه لا يلايم العاميّة بل هو من خواصّ الفرقة الحقّة الإماميّة حيث يعتقدون في ائمّتهم عليهم السّلم العلم بالعواقب كما يكشف عن ذلك الوجدان بعد ملاحظة تراجم أحوالهم عليهم السّلم بل لا يخفى على من راجعها علم جملة من أهل الأسرار من أصحابهم ( ع ) باخبارهم بما يقع فيما يأتي كاخبار حبيب بن مظاهر بما يكون في الطّف واخبار ميثم بما يجرى على أمير المؤمنين ( ع ) بل اخباره بخلاصه من الحبس واخذه بثار الحسين ( ع ) وغير ذلك ممّا تواترت به الأخبار وملئت به المصاحف وكتب الآثار فظهر من جزمه بانّه يقتل كذا وكذا من أنصار بنى اميّة على وجه يعتقد انّه ان قتل أحياه اللّه تع انّ الرّجل مسلم موحّد امامىّ المذهب بل الأقوى والأظهر انه كان يقول بامامة السجاد عليه السلم والّذى يدلّ عليه أمور الأوّل الخبر المزبور النّاطق بان الحسين ( ع ) يخرجه من النّار فانّ من مذهبنا خلود غير الأثنى عشرى في النار فلو لم يكن قائلا بامامة السجّاد للزم بمقتضى ضرورة المذهب ان يخلّد في النّار ولا يشفع له سيّد الشّهداء ( ع ) الثاني ارساله الهدايا الخطيرة إلى السجّاد ( ع ) فانّه كاشف عن اعتقاده بإمامته ضرورة انّه لو كان قائلا بامامة ابن الحنفيّة دون السجّاد ( ع ) لارسل الهدايا إلى امامه دون معارضه فارساله الهدايا اليه يكشف عن كون نسبة القول بامامة ابن الحنفيّة اليه بهتانا صرفا كما سيزداد ذلك وضوحا انشاء اللّه تعالى الثالث انّ قول أمير المؤمنين ( ع ) له يا كيّس يا كيّس كما مرت روايته من الكشي ربّما يدلّ على كونه اماميّا ضرورة انّ أمير المؤمنين ( ع ) لا يخفى عليه عاقبة امر المختار كما لم يخف عليه جملة كثيرة من الأخبار المستقبلة عليه فلو كان مأل امر المختار عدم كونه اماميّا مواليا للسجّاد ( ع ) لم يجلسه على فخذه ولم يتلطّف معه بقول يا كيّس يا كيّس وكيف يعقل خفاء امره على أمير المؤمنين مع عدم خفائه على ميثم الّذى هو تلميذه بل عبد من عبيده الرابع ما مرّ في خبر الحسن بن زيد من دعاء السجّاد ( ع ) له ان يجزيه اللّه خيرا وفي خبر عبد اللّه بن شريك من ترحّم الصّادق ( ع ) عليه ثلث مرّات فانّه لا يعقل ترحّمه ( ع ) على غير الإمامي القائل بابيه ضرورة انّ مجرّد صدور فعل حسن منه وهو الأخذ بالثّار لا يجوز الترحّم عليه في مذهب الإماميّة القائلين باتباع رضا الائمّة ( ع ) لرضا اللّه سبحانه كما هو ظاهر لا يقال ينافي ما بنيت عليه من كون الرّجل اماميّا أمور أحدها ردّ السجّاد ( ع ) لهديّته وعدم قرائته كتابه ورميه ايّاه بالكذب ثانيها لعن السجّاد ( ع ) ايّاه فانّه لو كان اماميّا لما لعنه السجّاد ثالثها دعوته النّاس إلى محمّد بن الحنفيّة فإنه يكشف عن عدم قوله بامامة السجّاد ( ع ) رابعها ما مرّ من أنه أراد ان يأخذ الحسن ( ع ) ويسلّمه إلى معاوية طمعا في امارة العراق خامسها ما في كتب العامّة من انّه ادّعى النبوّة وانّه يأتي اليه جبرئيل بالوحي سادسها ما مرّ ممّا نطق بدخوله النّار لأنا نقول امّا الأوّل وهو ردّ السجّاد ( ع ) لهديّته وكراهته ايّاها وتركه المال في بيت فالجواب عنه وضوح انّ ردّه ( ع ) لهديّته لم يكن بلحاظ المختار بل للخوف من عبد الملك من حيث انّ المختار لم تشمل سلطنته المدينة المشرّفة وكان المستولى عليها يومئذ عبد الملك فاتقى الإمام ( ع ) منه في تركه المال ويشهد بما قلناه انّ الخبر يناقض بعضه بعضا ضرورة انه ان كان المال حراما فلا يعود حلالا بقول عبد الملك خذها طيبة هنيئة وباىّ ميزان يرجع ذلك المال إلى عبد الملك الزّنديق ولم يكن امام حقّ وان كان حلالا فلا وجه لحبسه واخبار عبد الملك به على انّ الأصحاب والأخبار متطابقة على حلية جوائز الظالم سيّما للسجاد عليه السلم المالك لجميع الدّنيا بجعل من اللّه سبحانه فلا وجه لذلك الّا الخوف والتقيّة من حيث انّه ( ع ) كان يدرى باذن اللّه تع انّ عبد الملك يقتل المختار ويقوى سلطانه وانه ان تصرّف في المال عدّ ممضيا لافعال المختار محبّا له وانتقم منه عبد الملك عند قوّة سلطانه بقتل المختار فلذا لم يمس المال لأجل ان يظهر لعبد الملك ان اخذه لم يكن قبول رضا بل خوفا من المختار حتّى ينجو بذلك من شر عدوّ اللّه عبد الملك فيما يأتي ولذا قبل من المختار قبل ذلك مخفيّا وعمّر بها الدّور وزوج به نفرا من بني هاشم حتى انّ الباقر عليه السلام حلف فيما مرّ من خبر عبد اللّه بن شريك باخبار أبيه السجّاد ( ع ) بان مهر امّه ممّا بعث به المختار وبالجملة فردّه أخيرا هديّة المختار وعدم قرائته كتابه كان تقيّة لكونه بيد رسول خاصّ وظهور امره وبما ذكرنا انفتح باب الجواب عن اخبار الذمّ واللّعن الّذى ذكره المعترض في الوجه الثّانى فانّ الذمّ واللّعن انّما كان للتقيّة كما في غيره ممّن ذمّوه ولعنوه كزرارة وليث المرادي واضرابهما وهذا هو الوجه في لعنه ايّاه لا ما زعمه صاحب التكملة قده من انّ لعنة ايّاه لعلّه على سبيل الفرض اى فرض انّه ملعون لو كان دعواه الوحي على الحقيقة فان فيه وضوح سقوطه ضرورة انّ جهل الإمام ( ع ) بالواقع فيما يرجع إلى التّكليفيّات وترتيبه الأثر تعليقا مع قدرته على ادراك الواقع غير معقول على مذهب الإماميّة وكيف يلعن ( ع ) شخصا على سبيل الفرض مع امكان علمه بكون دعواه الوحي صدق أو كذب وقد كنا نتعجّب من تقييد الغزالي لعن يزيد بانّه ان كان قائلا للحسين ( ع ) وعدم تجويزه اللّعن المطلق فكيف نقبل صدور مثله من مثل السجّاد ( ع ) فليس لعنه ايّاه الّا على سبيل التقيّة من عبد الملك واضرابه اخوان الشّياطين لعلمه بقتله للمختار وقوة سلطنته بعد ذلك فجاز لعنه ( ع ) ايّاه موريا حفظا لنفسه ودمه ( ع ) ويزداد ما ذكرناه وضوحا بمنع الباقر عليه السلام في خبر سدير المتقدّم من سبّه فإنه لو كان لعن السجّاد ( ع ) عن جدّ من غير تقيّة لما خالفه الباقر عليه السّلم بالنّهى عن سبّه وما انكر نسبة النّاس اليه الكذب في خبر عبد اللّه بن شريك هذا كلّه مع وضوح فساد نسبة دعوى الوحي اليه ضرورة انه انّما كان يدّعى الإمارة دون النبوّة كما يكشف عن ذلك نسبة دعوة النّاس إلى ابن الحنفيّة اليه فانّ من يدّعى الوحي لا يدعو النّاس إلى امامة غيره ويكشف عمّا قلناه من فساد نسبة دعوى الوحي اليه ما نقل من أنه كان له غلام اسمه جبرئيل أو هو مسمّيه جبرئيل وكان يقول موريا اخبرني جبرئيل بكذا لانّ مبنى افعاله على التكلّم بالرّمز والإيهام والخدمة والفراسة لحسن السّلطنة وابرام السّياسة وامّا الوجه الثالث ففيه انّ

--> ( 1 ) رواية التهذيب هكذا محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن أحمد عن أبي قروه عن أحمد بن هلال عن أمية بن قيس عن بعض من رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال يجوز النبي ص الصراط ويتلوه على ع ويتلو عليا ع فإذا توسطوه نادى أنصار الحسين ع يا أبا عبد الله ع انى طلب بثارك فيقول النبي ع للحسين أجب فتنقض الحسين ع في النار كأنه عقاب كأس فيخرج المختار ؟ ؟ ؟ فلو شق عن قلبه لوجه في قلبه ( 2 ) هو مختصر كتاب بصائر الدرجات للشيخ حسن بن سليمان الحلى