الثعلبي
239
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
الملائكة ولو كان ميكائيل مكانه لآمنّا بك ؛ لأنّ جبرئيل ينزل بالعذاب والقتال والشقوة وإنّه عادانا مرارا كثيرة ، وكان أشد ذلك علينا أنّ الله تعالى أنزله على نبينا عليه السّلام إنّ بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له : بخت نصّر ، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه ، فلما كان وقته بعثنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل في طلب بخت نصّر ليقتله فانطلق يطلبه حتّى لقيه ببابل غلاما مسكينا ليست له قوة . فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرئيل عليه السّلام وقال لصاحبنا : إنّ كان ربكم هو الذي أذن في هلاككم فلن تسلّط عليه ، وإن لم يكن هذا فعلى أي حق تقتله . فصدقه صاحبنا ورجع عليه السّلام : فكبر بخت نصّر وقوي وغزانا وخرّب بيت المقدّس ؛ فلهذا نتخذه عدوا . فأنزل الله تعالى هذه الآية . قال مقاتل : قالت اليهود ان جبرئيل عدونا أمرنا أن تجعل النبوّة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله تعالى هذه الآية . قتادة وعكرمة والسّدي : فكان لعمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) أرض بأعلى المدينة وممرها على مدارس اليهود ، وكان عمر إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم ويكلمهم . فقالوا : يا عمر ما في أصحاب محمّد أحب إلينا منك . إنّهم يمرّون هنا فيأذونا وأنت لا تؤذينا وأنّا لنطمع فيك فقال عمر : والله ما أحبكم لحبكم ، ولا أسألكم لأنّي شاك في ديني ، وإنّما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وأرى آثاره في كتابكم . فقالوا : من نصّب محمّد من الملائكة ؟ قال : جبريل . فقالوا : ذلك عدوّنا يطلع محمّد على سرنا ، وهو صاحب عذاب وخسف وسنة وشدة ، وإنّ ميكائيل جاء بالخصب والسّلم . فقال لهم عمر : أتعرفون جبرئيل وتنكرون محمّدا . . ! قالوا : نعم . قال : فأخبروني عن منزلة جبرئيل وميكائيل من الله عزّ وجلّ ؟ قالوا : جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، وميكائيل عدّو لجبرئيل فقال عمر : وإنّي أشهد أنّ من كان عدوّا لجبرئيل فهو عدوّا لميكائيل ومن كان عدوا لميكائيل فهو عدوّ لجبرئيل ، ومن كان عدوا لهما فإنّ الله عدوّ له ، ثمّ رجع عمر إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فوجد جبرئيل قد سبقه بالوحي فقرأ عليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية وقال : « لقد وافقك ربّك يا عمر » فقال عمر : لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر . قال الله تعالى تصديقا لعمر ( رضي الله عنه ) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ وفي جبرئيل سبع لغات : ( جبرئيل ) مهموز ، مشبع مفتوح الجيم والراء ، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر وخلف واختيار أبي عبيد ، وقال : رأيت في مصحف عثمان الذي يقال له : الإمام بالياء في جبريل وميكايل [ والياء قبل ] الياء تدلّ على الهمزة ، وقال الشاعر : شهدنا فما يلقى لنا من كتيبة * مدى الدّهر إلّا جبرئيل امامها