الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

القسم الثاني 68

تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )

الّذى يكشف عن ذلك انّه لمّا كان العمل بالقياس محظورا في الشّريعة عندهم لم يعملوا به أصلا وإذا شذّ واحد منهم عمل به في بعض المسائل على وجه المحاجّة لخصمه وان لم يكن اعتقاده ردّ وأقوله وأنكروا عليه وتبرّؤا من قوله اه ثم استشهد الحائري لعدم تماميّة النّسبة بان من جملة كتبه كتاب كشف التّمويه والالتباس على اغمار الشّيعة في امر القياس وثانيا انّه ان صحّ مارموه به فلا ينبغي التوقّف في عدم وصول حرمة القياس في زمنه إلى حدّ الضّرورة بالضّرورة ثم قال فاستغراب الشيخ محمد من العلّامة لتوثيقه إياه مع قوله بالقياس وهو بوجب دخوله في ربقة الفسق غريب جدا يوجب ادخال الشّيخ محمد في ربقة الجهل فلا تغفل انتهى وأقول اماما أجاب به أولا فكا لأجتهاد في قبال تنصيص كثير من اجلاء الأصحاب نعم ما أجاب به ثانيا لا بأس به ولقد عثرت بعد حين على كلام للعلّامة الطّباطبائى قده أوضح فيه ضعف الجواب الأوّل بعد ان احتمله ومتانة الثّانى قال قده ويتّجه هنا سؤال وهو ان المنع من القياس من ضروريات مذهب الأماميّة وممّا تواترت به الرّواية عن الأئمّة ( ع ) فيكون المخالف في ذلك خارجا عن المذهب فلا يعتّد بقوله بل لا يصّح توثيقه الّا ان يراد انّه ثقة في مذهبه كما يقال ذلك في الفطحيّة والواقفيّة والمخالفين من العامّة وأعظم من ذلك ما حكاه المفيد ره عنه من نسبة الأئمّة ( ع ) إلى القول بالرأي فانّه رأى سيّىء وقول شنيع وكيف يجتمع ذلك مع القول بعصمة الأئمّة عليهم السّلم وعدم تجويز الخطأ عليهم على ما هو المعلوم من المذهب وهذا القول وان لم يشتهر عنه الّا ان قوله بالقياس معروف مشهور قد حكاه المفيد ره والشّيخ والسّروى في معالمه ونقله النّجاشى عن شيوخه الثّقات وقد يلوح ذلك من كلام السيّد المرتضى عند نقله أقواله والجواب عنها ويشير اليه وضع كتابه الّذى سمّاه كشف التمويه والألباس على اغمار الشّيعة في امر القياس وكذا كتابه الأخر المسمّى باظهار فاستره أهل العناد من الرواية عن العترة في امر الاجتهاد وقد ذكر النّجاشى هذين الكتابين في جملة كتب ابن الجنيد ومصنّفاته وذكر في ترجمة المفيد ره ان له كتاب الردّ على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي ولولا انّ النّاقلين لذلك عنه مثل هؤلاء الفقهاء العارفين لكان الأمثل بحال هذا الشّيخ الجليل ره حمل القياس الّذى ذهب اليه على أحسن محامله كقياس الأولويّة ومنصوص العلّة والتعدية عن مورد النصّ بدليل قطعي وهو المعروف عند المتأخرين بتنقيح المناط فانّ هذه كلّها تشبه القياس وليست من القياس الممنوع لكن مثل ذلك لا يشتبه على الشّيخ ره والمفيد وغيرهما من الفقهاء ولا يحتاجون إلى الردّ والنّقض على انّ هذا التكلّف لا يجرى في مقالته الأخرى الّتى نسبها اليه المفيد والظّاهر انّه قد زلّت لهذا الشيخ المعظّم قدم في هذا الموضع ودعاه اختلاف الأخبار الواردة عن الأئمّة ( ع ) إلى القول بهذه المقالة الردّية والوجه في الجمع بين ذلك وبين ما نراه من اتّفاق الأصحاب على جلالته وموالاته وعدم قطع العصمة بينهم وبينه حمله على الشّبهة المحتملة في ذلك الوقت لعدم بلوغ الأمر فيه إلى حدّ الضّرورة فانّ المسائل قد تختلف وضوحا وخفاء باختلاف الأزمنة والأوقات فكم من امر جلّى ظاهر عند القدماء قد اعتراه الخفاء في زماننا لبعد العهد وضياع الأدلة وكم من شئ خفى ذلك الزّمان قد اكتسى ثوب الوضوح والجلاء باجتماع الأدلّة المنتشرة في الصّدر الأوّل أو تجدّد الإجماع عليه في الزّمان المتأخّر ولعلّ امر القياس من هذا القبيل فقد ذكر السيّد المرتضى رض في مسئلة له في اخبار الأحاد انّه قد كان في رواتنا ونقله أحاديثنا من يقول بالقياس كالفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرّحمن وجماعة معروفين وفي كلام الصّدوق ره في الفقيه ما يشير إلى ذلك حيث قال في باب ميراث الأبوين مع ولد الولد وقال الفضل بن شاذان بخلاف قولنا في هذه المسئلة وهذا مما زلّت به قدمه عن الطّريقة المستقيمة وهذا سبيل من يقيس ومن هذا يعلم انّ القول بالقياس ممّا لم ينفرد به ابن الجنيد من علمائنا وانّ له فيه سلفا من الفضلاء الأعيان كيونس بن عبد الرّحمن والفضل بن شاذان وغيرهم فلا يمكن عدّ بطلانه من ضروريّات المذهب في تلك الأزمان وامّا اسناد القول بالرأي إلى الأئمة ( ع ) فلا يمتنع ان يكون كذلك في العصر المتقدّم وقد حكى جدى ( 1 ) العلّامة قدّه في كتاب الأيمان والكفر عن الشّهيد الثّانى انّه احتمل الاكتفاء في الأيمان بالتصديق بامامة الأئمّة ( ع ) والاعتقاد بفرض طاعتهم وان خلا عن التّصديق بالعصمة عن الخطاء وادّعى انّ ذلك هو الّذى يظهر من جل رواتهم وشيعتهم فإنهم كانوان يعتقدون انّهم علماء ابرار افترض اللّه طاعتهم مع عدم اعتقاد العصمة فيهم وانّهم ( ع ) مع ذلك كانوا يحكمون بايمانهم وعدالتهم قال وفي كتاب أبى عمرو الكشي جملة من ذلك وكلامه وان كان مطلقا لكن يجب تنزيله على تلك الأعصار التي يحتمل فيها ذلك دون ما بعدها من الأزمنة فانّ الأمر بلغ فيها حد الضّرورة قطعا وممّا يدلّ على ما قلناه من قيام الشبهة الّتى يعذر بها ابن الجنيد ره في هذه المقالة مضافا إلى اتّفاق الأصحاب على عدم خروجه بها من المذهب واطباقهم على جلالته وتصريحهم بتوثيقه وعدالته انّ هذا الشيخ كان في زمان معزّ الدّوله من ال بويه والطّائع من الخلفاء العبّاسيّة وكان المعز اماميا عالما وكان امر الشّيعة في ايّامه ظاهرا معلنا حتى أنه قد كان الزم أهل بغداد بالنّوح والبكاء وإقامة المأتم على الحسين ( ع ) يوم عاشوراء في السّكك والأسواق وبالتّهنية والسّرور يوم الغدير والخروج إلى الصحراء لصلاة العيد ثم بلغ الأمر في اخر أيامه إلى ما هو أعظم من ذلك فكيف يتصوّر من ابن الجنيد في مثل ذلك الوقت ان ينكر ضروريا من ضروريّات المذهب ويصنّف في ذلك كتابا يبطل فيه ما هو معلوم عند جميع الشّيعة ولا يكتفى بذلك حتى يسمّى من خالفه فيه اغمارا وجهالا ومع ذلك فسلطانهم مع علمه وفضله يسئله ويكاتبه ويعظّمه ولولا قيام الشّبهة والعذر في مثله لأمتنع مثله بحسب العادة وأيضا فقد ذكر اليافعي وغيره انّ معزّ الدّولة توفى سنة ست وخمسين وثلاثمائة فيكون بينه وبين أبى الحسن علي بن محمّد السّمرى اخر السّفراء نحو من سبع وعشرين سنة لأنّه قد توفّى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وهذا يقتضى ان يكون ابن الجنيد من رجال الغيبة الصّغرى معاصرا للسّفراء بل ما ذكره النّجاشى والعلّامة رهما من امر السّيف والمال قد تشعر بكونه وكيلا ولم يرد فيه مع ذلك من النّاحية المقدّسة ذمّ ولا قدح ولا صدر من السّفراء عليه اعتراض ولا طعن فظهر ان خطائه في امر القياس ونحوه في ذلك الوقت كان كالخطاء في مسائل الفروع الّتى يعذر فيها المخطى ولا يخرج به عن المذهب وممّا ذكرناه يعلم انّ الصّواب اعتبار أقوال ابن الجنيد في تحقيق الوفاق والخلاف كما عليه معظّم الأصحاب وانّ ما ذهب اليه من امر القياس ونحوه لا يقتضى اسقاط كتبه ولا عدم التعويل عليها على ما قاله الشّيخ ره فان اختلاف الفقهاء رض في مباني الأحكام لا يوجب عدم الاعتداد بأقوالهم لأنهم قديما وحديثا كانوا مختلفين في الأصول التي تبنى عليها الفروع كاختلافهم في خبر الواحد والأستصحاب والمفاهيم وغيرها من مسائل الفقه حتى لا تجد اثنين منهم متوافقين في جميع مسائل الأصول ومع ذلك فقد اتّفقوا على اعتبار الأقوال والمذاهب المبتنية على الأصول الّتى ابطلوها وخالفوا فيها ولو كان الخلاف في أصول الفقه موجبا لترك الكتب المبتنية عليها من الفروع لزم سقوط اعتبار جميع الكتب وعدم التعويل على شئ منها وقساده بيّن الّا ان يكون للقياس عندهم مع معذوريّة القائل به خصوصيّة تقتضى عدم التّعويل ولا نجد له وجها مع وجود الشبهة وقيام العذر ولا يبعدان يكون الوجه فيما قاله الشّيخ ومن وافقه على ذلك جسم هذا الأصل الرّدى واستصلاح امر الشّيعة حتى لا يقع في مثله أحد وهذا مقصد حسن يوشك ان يكون هو المنشأ والسّبب في هذا المطلب هذا كلام العلّامة الطّباطبائى قدّه نقلناه