الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
القسم الأول 194
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
واللّه لو أن الحسن والحسين ( ع ) وهذا يدل على أن المكتوب اليه هذا الكتاب قريب من أن يجرى مجراهما عنده وقد روى أرباب هذا القول إن عبد اللّه بن عبّاس كتب إلى علي ( ع ) جوابا عن هذا الكتاب ثم ( 1 ) ذكر الجواب المزبور في كلام الكشي ثم الكتاب الثّانى المزبور من أمير المؤمنين ( ع ) بابدال قوله وانى لا قسم باللّه بقوله فارجع هداك اللّه إلى رشدك وتب إلى اللّه ربّك واخرج إلى المسلمين من أموالهم فعمّا قليل تفارق من الفت وتترك ما جمعت وتغيب في صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهّد قد فارقت الأحباب وسكنت التراب وواجهت الحساب غنيا عما خلقت فقيرا إلى ما قدّمت والسّلام ثمّ نقل جواب عبد اللّه الثّانى ثمّ قال وقال آخرون وهم الأقلون هذا لم يكن ولا فارق عبد اللّه بن عبّاس عليّا ولا باينه ولا خالفه ولم يزل أميرا على البصرة إلى أن قتل علي ( ع ) قالوا ويدلّ على ذلك ما رواه أبو الفرج علىّ بن الحسين الأصفهاني من كتابه الّذى كتبه إلى معاوية من البصرة لما قتل علي ( ع ) قال وقد ذكرنا من قبل قالوا وكيف يكون ذلك ولم يختدعه معاوية ويجرّه إلى جهته فقد علمتم كيف اختدع كثيرا من عمّال أمير المؤمنين ( ع ) واستمالهم اليه بالأموال فمالوا وتركوا أمير المؤمنين ( ع ) فما باله وقد علم النبوّة الّتى حدثت بينهما لم يستمل ابن عباس ولا اجتذبه إلى نفسه وكلّ من قرء السّير وعرف التواريخ يعرف مشافهة ابن عبّاس لمعوية بعد وفات علىّ ( ع ) وما كان يلقاه من قوارع الكلام وشديد الخصام وما كان يثنى به على أمير المؤمنين ( ع ) ويذكر خصائصه وفضائله ويصدع به من مناقبه وماثره فلو كان بينهما غبار وكدر لما كان الامر كذلك بل كانت الحال تكون بالضدّ ممّا اشتهر من أمرهما وهذا عندي هو الأمثل والأصوب وقد قال الراوندي ان المكتوب اليه هذا الكتاب هو عبيد اللّه بن العباس لا عبد اللّه وليس ذلك بصحيح لان عبد اللّه كان عامل علي ( ع ) على اليمن ولم ينقل عنه انّه اخذ مالا ولا فارق طاعة قال وقد أشكل علىّ امر هذا الكتاب فان كذبت النقل وقلت هذا كلام موضوع على أمير المؤمنين ( ع ) خالفت الرّوات فانّهم اطبقوا على رواية هذا الكتاب عنه وقد ذكر في أكثر كتب السّير وان صرفته إلى عبد اللّه بن عباس صدني عنه ما اعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين ( ع ) في حياته وبعد وفاته وان صرفته إلى غيره لم اعلم إلى من اصرفه من أهل أمير المؤمنين ( ع ) والكلام يشعر بانّ الرّجل المخاطب من أهله وبنى عمّه فانا في هذا الموضع من الموقفين انتهى كلام ابن أبي الحديد وفي شرح ابن ميثم على النهج ان المشهور ان هذا الكتاب إلى عبد اللّه بن عبّاس وانكر ذلك قوم وقالوا انّ عبد اللّه بن عبّاس لم يفارق عليّا ( ع ) قط ولا يجوز ان يقول في حقه ما قال وقال القطب الرّاوندى بكون المكتوب اليه هو عبيد اللّه بن عبّاس لا عبد اللّه ثمّ قال اعني ابن ميثم واعلم انّ هذين القولين لا مستند لهما امّا الأوّل فهو مجرّد استبعاد ان يفعل ابن عبّاس ما نسب اليه ومعلوم ان ابن عباس لم يكن معصوما وعلي ( ع ) لم يكن ليراقب في الحقّ أحدا ولو كان اعزّ أولاده كما تمثّل بالحسن والحسين ( ع ) في ذلك فكيف بابن عمّه بل يجب ان يكون الغلظة على الأقرباء اشدّ في هذا الأمر ثمّ ان غلظته عليه وعتابه له لا يوجب مفارقته ايّاه لأنه كان ( ع ) إذا فعل أحد من الصّحابة ما يستحقّ به المؤاخذة اخذ به سواء كان عزيزا أو ذليلا قريبا منه أو بعيدا فإذا استوفى حق اللّه منه أو تاب اليه ممّا فعل عاد إلى ما كان عليه كما قال ( ع ) العزيز عندي ذليل حتّى اخذ الحق منه والذّليل عندي عزيز حتّى اخذ الحق له فلا يلزم إذا من غلظته على ابن عباس ومقابلته ايّاه بما يكره مفارقته له وشقاقه على ما بينهما من المحبّة الوكيدة وامّا القول الثّانى فانّ عبيد اللّه كان عاملا له باليمن ولم ينقل عنه مثل ذلك انتهى كلام ابن ميثم ورجح بعض الأواخر ان العامّة رتّبوا الجواب الثاني ونسبوه إلى ابن عبّاس وليس ذلك منه واستدلّ على ذلك بانّ عبد اللّه بن عبّاس ان عصى اللّه ورسوله ( ص ) وأمير المؤمنين ( ع ) بأكله مال بيت المسلمين فلا يكاد يتجرّء بالجواب المذكور الفاحش الّذى نطق به غيره لما غرف بانية من ماء الفرات فشرب منه وصب الباقي على الأرض فقال له علي ( ع ) أسرفت يا هذا فقال أنت أسرفت في دماء المسلمين ولم تكن مسرفا وانا المسرف فهذا جواب كافر معاند منافق يحاشى عبد اللّه بن عبّاس من مثله وربّما يمكن الاستشهاد لعدم كون الخيانة المذكورة من عبد اللّه ان الحسن ( ع ) ارسله إلى البصرة فقد روى في كشف الغمّة خطبة الحسن ( ع ) يوم وفات أمير المؤمنين ( ع ) وفيها ثم جلس يعنى الحسن ( ع ) على المنبر فقام عبد اللّه بن عباس بين يديه فقال معاشر الناس إلى أن قالوا ما احبّه الينا وأوجب حقه علينا وتبادروا إلى البيعة له بالخلافة وذلك في يوم الجمعة الواحد والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة فرتّب العمال والامراء وانفذ عبد اللّه بن العبّاس إلى البصرة فلو كانت الخيانة المزبورة منه لمنعت عصمة الحسن ( ع ) ارساله إلى البصرة ومنها ( 2 ) ما رواه في باب شان سورة القدر من كتاب الحجّة من الكافي مرسلا قال وعن أبي عبد اللّه ( ع ) قال بينا أبى ( ع ) جالس وعنده نفر إذا استضحك حتى أغر ورقت عيناه من دموعا ثمّ قال هل تدرون ما اضحكنى فقالوا لا قال زعم ابن عبّاس انه من الّذين قالوا ربّنا اللّه ثمّ استقاموا فقلت له هل رايت الملائكة يا بن عبّاس تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة مع الامن من الخوف والحزن قال فانّ اللّه تعالى يقول إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقد دخل في هذا جميع الامّة فاستضحكت ثمّ قلت صدقت يا بن عبّاس ثمّ وقع سئوال وجواب بينهما إلى أن قال ( ع ) هذا الله حكم ليلة ينزل فيها امره ان جحدتها بعد ما سمعت من رسول اللّه ( ص ) فادخلك اللّه النّار كما أعمى بصرك يوم جحدتها على علي بن أبي طالب ( ع ) قال فلذلك عمى بصرى قال وما علمك بذلك فو اللّه انّ عمى بصرى من صفقة جناح الملك فاستضحكت ثم تركته يومه ذلك لسخافة عقله ثم لقيته فقلت يا بن عبّاس ما تكلمت بصدق مثل أمس أليس قال لك علىّ بن أبي طالب ( ع ) انّ ليلة القدر في كلّ سنة وانه ينزل في تلك اللّيلة امر السّنة وان لذلك الامر ولاة بعد رسول اللّه ( ص ) فقلت من هم فقال انا وأحد عشر من صلبي أئمة محدّثون فقلت لا أراها كانت الّا مع رسول اللّه ( ص ) فتبدى لك الملك الّذى يحدثه فقال كذبت يا عبد اللّه رايت عيناي الّذى حدّثك به علي ( ع ) ولم تره عيناه ولكن وعى قلبه ووفر سمعه ثم صفقك بجناحه فعميت فقال ابن عبّاس ما اختلفنا في شئ فحكمه إلى اللّه فقلت فهل حكم اللّه في حكم من حكمه بأمرين قال فقلت هيهنا هلكت وأهلكت والجواب عن هذا الخبر انه من الأخبار ( 3 ) ضرورة انّ مولينا الباقر عليه السلم ولد سنة سبع أو تسع وخمسين وعبد اللّه بن عبّاس مات سنة ثمان أو تسع وستّين فيكون عمر الباقر ( ع ) عند وفاته عشر سنين أو احدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة والائمّة عليهم السّلم وان كانوا من حين ولادتهم اعلم النّاس الا انّهم حفظا للناس من الغلو لم يكونوا يخرجون من العاديات ولا يعقل عادة مباحثة ولد عمره دون البلوغ مع ( 4 ) عالم واستضحاكه وهذا الذي ذكرته لم يسبقني فيه أحد وقد فتح باب احتمال الجعل في ساير ما ورد في ذمّه من الاخبار حسدا كما سمعته من ابن طاوس هذا وأجاب في التكملة عن هذا الخبر اوّلا بقصور السّند بالإرسال وثانيا بانّ ما تضمّنه من انكار شهادته مناف لما استفاض من مجادلته مع عمر بن الخطّاب في اخبار كثيرة ومخاصمته مع معاوية بن أبي سفيان مرارا كثيرة ولما نقله العامة من طرق كثيرة من قوله الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بينه وبين الكتاب ولما نقل متواترا عنه من فضائل علىّ ( ع ) وهي متواترة ومباحثة مع الخوارج معلومة وأراد علي ( ع ) ان يجعله أحد الحكمين وهذا يدلّ على انّه متيقن النّصح له ( ع ) والاعتماد ومذاهبه المنقولة عنه مخالفة لما عليه العامة من حلية المتعة وعدم جواز المسح على الخفّين ومن وجوب التقية وانّ الفريضة لا تعول وعدم توريث العصبة وغير ذلك من المسائل الخلافيّة بيننا وبين العامّة فهذا كلّه دليل على انّه شهد لعلىّ ( ع ) بالخلافة وانه تابع لقوله وهو يبلغ فوق التواتر وكك ساير أحواله من حسن حاله وطاعته والمتدبر المطّلع على ذلك لا يجده اقلّ مرتبة من محمّد بن ابيبكر واضرابه من خواص علي ( ع ) وأهل بطانته وان كل متديّن لو ورد عليه مثل هذه الأخبار في حق محمّد بن ابيبكر واضرابه لم يقبلها وطرحها ورماها بكلّ مرمى فكذا ينبغي في حقّ ابن عبّاس بل وأولى لانّه اعلم وافقه وابصر ومحمد واضرابه وان كانوا في المحبّة