أبو الليث السمرقندي
599
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قال مقاتل : وهو النيل ، فعلمها جبريل عليه السلام . ويقال : رأت في المنام بأنها تؤمر أن تلقيه في البحر . ويقال : كان هذا إلهاما . ويقال : كانت دلالة لها حيث علمت بالرؤيا أو بشيء خيل لها أن تفعل ما فعلت ، كما أن إبراهيم عليه السلام رأى في المنام ذبح إسحاق أو إسماعيل عليهما السلام وذكر أنها كانت تخبز يوما ، وكان موسى عليه السلام على رأس التنور ، فدخل قوم فرعون يطلبون الولد ، فوضعته في التنور ، فدخلوا فلم يجدوا موسى عليه السلام فجاءت إلى التنور ، فوجدته يلعب بأصابعه في الأرض ، فاستيقنت أن اللّه تعالى يحفظه ، فجعلته في التابوت ، وألقته في النيل . ثم قال : وَلا تَخافِي الغرق وَلا تَحْزَنِي أن لا يردّ إليك إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني : رسولا إلى فرعون وقومه . فلما ألقته في النيل جاء به الماء ، وكان يمرّ النيل في دار فرعون ، فوجدته جواري فرعون بين الماء والشجر ، فمن ثم سمي موسى بلفظ القبط موشى ، فالمو : الماء ، وشا : الشجر . فذلك قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً يعني : إن أخذهم إياه كان سببا لحزنهم ، فكأنهم أخذوه لذلك ، وإن كان أخذهم لم يكن لذلك . قرأ حمزة والكسائي وَحَزَناً بضم الحاء ، وسكون الزاي . وقرأ الباقون بنصب الحاء والزاي ، وهما لغتان : ومعناهما واحد . ثمّ قال : إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ يعني : مشركين ، ويقال : عاصين آثمين . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 9 إلى 11 ] وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 9 ) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) قوله عز وجل : وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ واسمها آسية لفرعون : هذا الغلام قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنه آتانا به الماء من مصر آخر ، ومن أرض أخرى ، وليس من بني إسرائيل ويقال : إنها قالت : إن هذا كبير ومولود قبل هذه المدة التي أخبر لك عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً فإنه لم يكن له ولد ذكر . قال فرعون : فهو قرة عين لك ، فأما أنا فلا . وروي عن ابن عباس أنه قال : « لو قال فرعون أيضا : هو قرة عين لي لنفعه اللّه تعالى به ، ولكنه أبى » . ويقال : قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ، وقد تمّ الكلام . ثم قالت : وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ . قال : وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقف على قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ثم قال : لا تَقْتُلُوهُ ، أي لا تَقْتُلُوهُ فلا الثاني إضمار في الكلام ، والتفسير الأول أصح . ثم قال : وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني : لا يشعر فرعون وقومه أن هلاكهم على يديه . ثم قال عز وجل : وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً يعني : خاليا من كل ذكر وشغل إلا ذكر موسى عليه السلام وهمّه . ويقال : صار قلبها فارغا حين بعثت أخته لتنظر ، فأخبرتها بأنه قد أخذ