أبو الليث السمرقندي

578

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

لأن النون الأولى مشددة ، وتسمى تلك نون القسم ، وهي في الحقيقة نونين ، والنون الثانية للإضافة . ومن قرأ بنون واحدة ، فقد استقل الجمع بين النونات ، واقتصر على نونين ، فأدغم إحداهما في الأخرى . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 22 إلى 26 ] فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 ) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ( 24 ) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 26 ) قوله عز وجل : فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قرأ عاصم بنصب الكاف ، وقرأ الباقون بالضم ، وهما لغتان ومعناهما واحد ، يعني : لم يلبث إلا قليلا . ويقال : لم يطل الوقت حتى جاء الهدهد فَقالَ . فقال له سليمان : أين كنت ؟ فخرّ له ساجدا وقال : أَحَطْتُ وفي الآية مضمر ، معناه : فمكث غير بعيد أن جاءه الهدهد فقال له سليمان : أين كنت ؟ فخرّ له ساجدا ، فقال أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ يعني : علمت ما لم تعلم به ، وجئتك بخبر لم تكن تعلمه ، ولم يخبرك عنه أحد . ثم أخبره فقال : وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ فإن قيل : كيف يجوز أن يقال إن سليمان لم يعلم به ، وكانت أرض سبأ قريبة منه ، وهناك ملك لم يعلم به سليمان ؟ قيل له : علم سليمان ذلك ، ولكنه لم يعلم أنهم يسجدون للشمس . ويقال : إنه علم بها ، ولكنه لم يعلم أن ملكها قد بلغ هذا المبلغ ، وعلم أنهم أهل الضلالة ، والإحاطة : هي العلم بالأشياء بما فيها وجهاتها كما قال وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ ، يعني : من أرض سبأ ، وهي مدينة باليمن بِنَبَإٍ يَقِينٍ يعني : بخبر صدق لا شك فيه . ويقال : بخبر عجيب . قرأ ابن كثير وأبو عمرو سَبَإٍ بالنصب بغير تنوين . وقرأ الباقون بالكسر والتنوين . فمن قرأ بالنصب جعله اسم مدينة ، وهي مؤنث لا ينصرف ، ومن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم الرجل . ويقال : جعله اسم مكان . فقال له سليمان : وما ذلك الخبر ؟ فقال : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ يعني : تملك أرض سبأ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يعني : أعطيت علم ما في بلادها . ويقال : من كل صنف من الأموال والجنود ، وأنواع الخير مما يعطى الملوك وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ يعني : سريرا كبيرا أعظم من سريرك . ويقال : كان طول سريرها ثمانون ذراعا في ثمانين مرصعا بالذهب والدر والياقوت ، وقوائمه من اللؤلؤ والياقوت ، واسمها بلقيس . قال مقاتل : كانت أمها من الجن . ويقال : وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ، أي شديد . قوله عز وجل : وَجَدْتُها يعني : رأيتها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ يعني : يعبدون