أبو الليث السمرقندي
544
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ويقال : البروج الكواكب العظام ، وكل ظاهر مرتفع فهو برج ، وإنما قيل لها بروج لظهورها وارتفاعها ، ثم قال تعالى : وَجَعَلَ فِيها يعني : خلق فيها سِراجاً يعني : شمسا وَقَمَراً مُنِيراً يعني : منوّرا مضيئا . قرأ حمزة والكسائي سرجا بلفظ الجمع ، يعني : الكواكب . وقرأ الباقون سِراجاً وبه قال أبو عبيدة : بهذا نقرأ . كقوله : وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ولأنه قد ذكر الكواكب بقوله : بُرُوجاً . ثم قال عز وجل : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي : خلق الليل والنهار خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي خليفة يخلف كل واحد منهما صاحبه . يذهب الليل ويجيء النهار ، ويذهب النهار ويجيء الليل ، ويقال : خِلْفَةً يعني : مخالفا بعضه لبعض ، أحدهما أبيض ، والآخر أسود ، فهما مختلفان كقوله عز وجل : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية . وروي عن الحسن أنه قال : النهار خلف من الليل لمن أراد أن يعمل بالليل فيفوته فيقضي ، فإذا فاته بالنهار يقضي بالليل لمن أراد أن يذكر . قرأ حمزة يَذَّكَّرَ بالتخفيف في الذال ، وضم الكاف . يعني : يذكر ما نسي إذا رأى اختلاف الليل والنهار . وقرأ الباقون بالتشديد وأصله : يتذكر يعني : يتعظ في اختلافهما ، ويستدل بهما أَوْ أَرادَ شُكُوراً يعني : العمل الصالح ويترك ما هو عليه من المعصية . ويقال : أَوْ أَرادَ شُكُوراً ، أي توحيدا وإقرارا ، فيمكّنه ذلك . قوله عز وجل : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ يعني : وإن من عباد الرحمن عبادا يمشون عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً يعني : يمضون متواضعين ، وهذا جواب لقولهم وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ ؟ فقال : الرحمن الذي جعل في السماء بروجا ، وهو الذي له عباد مثل هؤلاء . يعني : أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن كان مثل حالهم ، وهذا كقوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ [ مريم : 61 ] وكقوله : فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ [ الزمر : 17 ] الآية . وقال مجاهد : يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً قال : في طاعة اللّه متواضعين . ويقال : هَوْناً ، أي : هينا لا جور منهم على أحد ولا أذى . ويقال : هَوْناً يعني : سكينة ووقارا وحلما . وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ يعني : كلمهم الجاهلون بالجهل قالُوا سَلاماً يعني : سدادا من القول . ويقال : ردوا إليهم بالجميل . وقال الحسن : يعني : حلما لا يجهلون ، وإن جهل عليهم حلموا . وقال الكلبي : نسخت بآية القتال . وقال بعضهم : هذا خطأ ، لأن هذا ليس بأمر ، ولكنه خير من حالهم ، والنسخ يجري في الأمر والنهي . ثم وصف حال لياليهم فقال عز وجل : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً يعني : يقومون بالليل في الصلاة سجدا وَقِياماً يعني : يكونون في ليلتهم مرة ساجدين ، ومرة قائمين . وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : « من صلى ركعتين أو أربعا بعد العشاء ، فقد بات للّه ساجدا وقائما » .