أبو الليث السمرقندي
539
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 1 ] وإنما أراد به الناس ، ألا ترى أنه استثنى منه جماعة . ويقال : إن نوحا كان يدعو قومه إلى الإيمان به ، وبالأنبياء الذين بعده ، فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل ، فلهذا قال : لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً يعني : عبرة لمن بعدهم وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً أي : وجيعا . ثم قال عز وجل : وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ يعني : واذكر عادا وثمود وأصحاب الرس ، وهم قوم قد نزلوا عند بئر كان يسمّى : الرس ، فكذبوا رسلهم ، فأهلكهم اللّه تعالى ، ويقال : إنما سمّوا أصحاب الرس ، لأنهم قتلوا نبيهم ورسولهم في بئر لهم ، وقال مقاتل : يعني : البئر التي كان فيها أصحاب ياسين بأنطاكية التي بالشام وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً يعني : أهلكنا أمما بين قوم نوح وعاد ، وبين عاد وثمود إلى أصحاب الرس كثيرا وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ يعني : بينا لهم العذاب أنه نازل بهم في الدنيا وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً أي : دمرناهم بالعذاب تدميرا ، يقال : تبره إذا أهلكه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 40 إلى 42 ] وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً ( 40 ) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً ( 41 ) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 42 ) ثم قال عز وجل : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ يعني : أهل مكة مروا على القرية الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ يعني : قريات لوط أمطرنا عليهم الحجارة : أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها يعني : أفلم يبصروها ، فيعتبروا بها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً يعني : بل كانوا لا يخافون البعث . ويقال : لا يرجون ثواب الآخرة ، وإنما جاز أن يعبر عنهما ، لأن في الرجاء طرفا من الخوف ، لأن كل من يرجو شيئا فإنه يخاف ، وربما يدرك ، وربما لا يدرك . قوله عز وجل : وَإِذا رَأَوْكَ يعني : أهل مكة إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً يعني : ما يقولون لك إلا سخرية فيما بينهم ويقولون : أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا يعني : إلينا ، وهو قول أبي جهل حين قال لأبي سفيان بن حرب : أهذا نبي بني عبد مناف إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا يعني : أراد أن يصرفنا عَنْ آلِهَتِنا يعني : عن عبادة آلهتنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها يعني : ثبتنا على عبادتها لأدخلنا في دينه . حكى قولهم ثم بين مصيرهم فقال : وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ يعني : يوم القيامة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا يعني : أخطأ طريقا ، يعني : يبيّن لهم أن الذي قلت لهم كان حقا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 43 إلى 46 ] أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ( 43 ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ( 44 ) أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 )