أبو الليث السمرقندي
533
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قرأ عاصم في رواية حفص فَما تَسْتَطِيعُونَ بالتاء على معنى المخاطبة ، يعني يقال لهم : لا تستطيعون صرف ذلك . وقرأ الباقون بالياء ومعناه : أن اللّه تعالى يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : فما يستطيعون صرف ذلك عنهم . ثم قال تعالى : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ يعني : يشرك باللّه في الدنيا . ويقال : يكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً في الآخرة ، وهو عذاب النار . [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 20 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً ( 20 ) قوله عز وجل : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ جوابا لقولهم : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ يعني : كانت الرسل من الآدميين ، ولم يكونوا من الملائكة عليهم السلام . ثم قال : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ يقول : ابتلينا بعضكم ببعض ، الفقير بالغني ، والضعيف بالقوي . وذلك أن الشريف إذا رأى الوضيع قد أسلم أنف عن الإسلام وقال : أأسلم ، فأكون مثل هذا ، فثبت على دينه حميّة . يقول اللّه تعالى للشريف : أَ تَصْبِرُونَ أن تكونوا شرعا ، سواء في الدين وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني : عالما بمن يؤمن ، وبمن لا يؤمن ، ويقال : جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً يعني : بلية الغنيّ للفقير ، والقوي للضعيف . لأن ضعفاء المسلمين وفقراءهم ، إذا رأوا الكفار في السعة والغنى ، يتأذون منهم ، وكان في ذلك بلية لهم ، فقال تعالى : أَ تَصْبِرُونَ اللفظ لفظ الاستفهام ، والمراد به الأمر ، يعني : اصبروا كقوله : أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ [ المائدة : 74 ] يعني : توبوا إلى اللّه . ويقال : أهل النعم بلية لأهل الشدة ، لأن أهل الشدة إذا رأوا أهل النعمة تنغّص عيشهم ، فأمرهم اللّه تعالى بالصبر . وذكر عن بعض المتقدمين : أنه كان إذا رأى غنيا من الأغنياء يقول : نصبر يا رب ، يريد : جوابا لقوله : أَ تَصْبِرُونَ ثم قال : وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني : عالما بمن يصلح له الغنى والفقر ويقال : وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً يعني : عالما بثواب الصابرين . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 21 إلى 24 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) قوله عز وجل : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا يعني : لا يخافون البعث بعد الموت . ويقال : لا يرجون الجنة والمغفرة ، وهم كفار أهل مكة لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ يعني : هلا