أبو الليث السمرقندي

534

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

أنزل علينا الملائكة ، فيخبروننا بأنك رسول اللّه إلينا أَوْ نَرى رَبَّنا فيخبرنا بأنك نبيّ مرسل . قال اللّه تعالى : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يعني : تعظموا في أنفسهم ، وأعرضوا عن الإيمان . ويقال : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يعني : وضعوا لأنفسهم قدرا ومنزلة ، حيث أرادوا لأنفسهم الرسل من الملائكة عليهم السلام ورؤية الرب عز وجل : وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً يعني : أبوا إباء كثيرا . ويقال : اجترءوا على اللّه اجتراء كثيرا . وقال أهل اللغة : العاتي الذي لا ينفعه الوعظ والنصيحة . ثم أخبر متى يرون الملائكة فقال عز وجل : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ يعني : يوم القيامة لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ يعني : للمشركين ، وتكون البشارة للمؤمنين . ثم قال : وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً يعني : تقول لهم الملائكة : حراما محرما ، أن تكون لهم البشرى يومئذ بما يبشر به المتقون ، وإنما قيل للحرام حجرا ، لأنه حجر عليه . وقال مجاهد : « تقول الملائكة : حراما محرما أن يدخلوا الجنة » . وقال الحسن وقتادة : هي كلمة كانت العرب تقولها . كان الرجل إذا نزلت به الشدة قال : حجرا محجورا ، أي : حراما محرما . ويقال : إن قريشا كانوا إذا استقبلهم أحد كانوا يقولون له : حاجورا حاجورا ، حتى يعرف أنهم من الحرم ، فلا يضرونهم ، وأخبر أنهم كانوا يقولون ذلك ولا ينفعهم . ويقال : إن المشركين في الشهر الحرام إذا استقبلهم أحد يقولون : حجرا محجورا ، ويريدون أن يذكروه أنه في الشهر الحرام ، وذلك القول لا ينفعهم يوم القيامة . وقرأ الحسن : حِجْراً بضم الحاء ، وقراءة العامة : بكسر الحاء . ثمّ قال عز وجل : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ قال الكلبي : يعني عمدنا إلى ما عملوا من عمل لغير اللّه تعالى . ويقال : قصدنا إلى ما عملوا من عمل ، ومعناه : نظرنا في أعمالهم ولم نجد فيها خيرا ، فأبطلناها ، ولم نجعل لها ثوابا ، فذلك قوله تعالى : فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً قال الضحاك : هو الغبار ما لا يستطاع جمعه ، ولا أخذه بيد . وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « الهباء المنثور الذي تراه في شعاع الشمس في الكوة » ، وهذا قول عكرمة والكلبي . وقال قتادة : هو ما ذرت الريح من حطام الشجر . ويقال : الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب . ثم قال عز وجل : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا يعني : أفضل منزلا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا قال : كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس إلى مقدار نصف النهار ، فيقيل هؤلاء في الجنة ، وهؤلاء في النار . وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا : « لا ينتصف النهار من ذلك اليوم حتى يقيل أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار » ، عنيا بذلك : يوم القيامة ، ولأن مقدار ذلك اليوم خمسون ألف سنة ، وإنما أراد بتلك القيلولة القرار لا النوم ، لأن لا يكون في الجنة نوم ، ولا في النار نوم .