أبو الليث السمرقندي
532
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 17 إلى 19 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ( 19 ) قوله عز وجل : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعني : نجمعهم وَما يَعْبُدُونَ يعني : ونحشر ما يعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني : الأصنام . ويقال : المسيح وعزير . ويقال : الملائكة عليهم السلام فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ يعني : أأنتم أمرتم عِبادِي هؤُلاءِ أن يعبدوكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ يعني : أم هم أخطئوا الطريق ، فتبرأت الملائكة والأصنام . قوله تعالى : قالُوا سُبْحانَكَ أي : تنزيها لك ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أي : ما يجوز لنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وقرأ الحسن وأبو جعفر المدني أن نتخذ بضم النون ونصب الخاء ، ومعناه : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك إلها فتعبد . وقراءة العامة : بنصب النون وكسر الخاء ، يعني : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فيعبدوننا . ويقال : معناه ما كان فينا روح نأمرهم بطاعتنا . ويقال : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فنعبدهم ، فكيف نأمر غيرنا بعبادتنا ؟ كقوله تعالى : سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [ سبأ : 41 ] قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالياء . فَيَقُولُ بالياء وقرأ الباقون : الأول بالنون والثاني بالياء . ثم قال : وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ يعني : أن هذا كان بكرمك وفضلك ، لما عصوك لم تمنع عنهم الدنيا حتى اغتروا بذلك ، وظنوا أنهم على الحق ، حيث لم يصبهم بلاء ولم تمنع منهم النعمة ، فذلك قوله : وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ يعني : تركتهم في الدنيا يتمتعون ، وأجلتهم وآباءهم في المتاع والسعة . حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ يعني : تركوا التوحيد والإيمان بالقرآن . وَكانُوا قَوْماً بُوراً أي هلكى فاسدين . وأصله : الكساد يقال : بارت السوق إذا كسدت . وقال الكلبي : بُوراً يعني : هالكين ، فاسدة قلوبهم ، غير متقين ولا محسنين . يقول اللّه تعالى لعبدة الأوثان : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ يعني : الأصنام ، ويقال : الملائكة فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً يعني : لا يستطيع الكفار انصرافا إلى غير حجتهم التي تكلموا بها . ويقال : لا تستطيعون صرفا أي : انصرافا عن حجتهم وَلا نَصْراً يعني : لا ينتصرون من آلهتهم حين كذّبتهم . ويقال : لا تقدر الأصنام ولا الملائكة صرف العذاب عنهم وَلا نَصْراً يعني : لا يمنعونهم منه . ويقال : الصرف الحيلة . ويقال : لا يقبل منهم فدية أن يصرفوا عن أنفسهم بالفدية .