أبو الليث السمرقندي

531

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الآية قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ويجعل بضم اللام على معنى خبر الابتداء ، وقرأ الباقون بالجزم لأنه جواب الشرط . ثم قال عز وجل : بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ معناه : ولكن كذبوا بالساعة يعني : بالقيامة وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً يعني : هيأنا لمن كذب بالقيامة وقودا ، وهو نار جهنم إِذا رَأَتْهُمْ يعني : جهنم مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعني : من مسيرة خمسمائة سنة . ويقال : من مسيرة مائة سنة سَمِعُوا لَها يعني : منها تَغَيُّظاً على الكفار وَزَفِيراً يعني : صوتا كصوت الحمار . وقال قوم : معناه يسمعون منها تغيظ المعذبين وزفيرهم ، كما قال : لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [ هود : 106 ] وقال عامة المفسرين : التغيظ والزفير يسمع من النار ، ألا ترى أنه قال : سَمِعُوا لَها ، ولم يقل : سمعوا منها ، ولا فيها . وقال في آية أخرى : وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [ الملك : 8 ] وروي في الخبر : « أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلا خرّ على وجهه ترعد فرائصهم حتى إن إبراهيم الخليل عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول : يا رب يا ربّ لا أسألك إلا نفسي » . ثم قال عز وجل : وَإِذا أُلْقُوا مِنْها يعني : فيها مَكاناً ضَيِّقاً يعني : يضيق عليهم المكان كتضييق الزّجّ من الرّمح مُقَرَّنِينَ يعني : مسلسلين في القيود ، موثقين في الحديد ، قرنوا مع الشياطين دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً فعند ذلك دعوا بالويل ، يعني : يقولون وا هلاكاه ، فتقول لهم الخزنة : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً يعني : ادعوا ويلا كثيرا دائما . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 15 إلى 16 ] قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ( 15 ) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً ( 16 ) قال اللّه تعالى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : قُلْ يا محمد لكفار مكة أَ ذلِكَ خَيْرٌ يعني : هذا الذي وصف من العذاب خير أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ فإن قيل : كيف يقال خير وليس في النار خير ؟ قيل له : قد يقال على وجه المجاز ، وإن لم يكن فيه خير ، والعرب تقول : العافية خير من البلاء ، وإنما خاطبهم بما يتعارفون في كلامهم الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ يعني : الذين يتقون الشرك والكبائر . كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً يعني : جزاء بأعمالهم الحسنة ومرجعا إليها . ثم قال عز وجل : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ يعني : يحبون خالِدِينَ أي : دائمين في الجنة كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً منه في الدنيا مَسْؤُلًا يسأله المتقون . ويقال مَسْؤُلًا يسأل لهم الملائكة عليهم السلام ، وهو قوله عز وجل : رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ [ غافر : 8 ] ويقال : وعدوا على لسان رسلهم ، وقد سألوا اللّه عز وجل ذلك ، وهو قوله : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ويقال : وعدا لا خلف فيه لمن سأله .