أبو الليث السمرقندي

530

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله عز وجل : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ مثل ما نأكل وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ يعني : يتردد في الطريق لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يعني : معينا يخبره بما يراد به من الشر أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ يعني : يعطى له كنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يعني : بستانا يَأْكُلُ مِنْها وذلك أن كفار قريش اجتمعوا في بيت ، فبعثوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاهم ، فقال له العاص بن وائل السهمي وقريش معه : قد تعلم يا محمد أن لا بلاد أضيق ساحة من بلادنا ، ولا أقل أنهارا ولا زرعا ، ولا أشدّ عيشا ، فادع ربك أن يسيّر عنا هذه الجبال ، حتى تنفسح لنا بلادنا ، ثم يفجر لنا فيها أنهارا ، حتى نعرف فضلك عند ذلك ، ونراك تمشي في الأسواق معنا تبتغي من يسير العيش ، فاسأل ربك أن يجعل لك قصورا أو جنانا ، وليبعث معك ملكا يصدقك ، فنزل حكاية عن قولهم : أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها قرأ حمزة والكسائي : نأكل منها بالنون ، وقرأ الباقون بالياء . وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ يعني : ما تطيعون يا أصحاب محمد إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً يعني : مغلوب العقل . ويقال : مَسْحُوراً يعني : مخلوقا ، لأن الذي تكون مخلوقا يكون حياته بالمعالجة بالأكل والشرب ، فيسمى مسحورا . ويقال : مسحورا أي : سحر به . قوله عز وجل : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ يعني : انظر يا محمد كيف وصفوا لك الأشباه ، إلى ماذا شبهك قومك بساحر وكاهن وكذاب فَضَلُّوا عن الهدى ، ويقال : ذهبت حيلتهم ، وأخطئوا في المقالة . فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يعني : لا يجدون حيلة ولا حجة على ما قالوا لك ، ولا مخرجا لتناقض كلامهم حيث قالوا مرة : مجنون ، ومرة : ساحر . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 10 إلى 14 ] تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ( 10 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 ) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 ) ثم قال عز وجل : تَبارَكَ وتعالى ، وقد ذكرناه الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ يعني : خيرا مما يقول الكفار في الآخرة جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً في الجنة ، ويقال : في الدنيا إن شاء أعطاك . وروى سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : عن خيثمة قال : « قيل للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعط من قبلك أحدا ، ولا نعطي من بعدك أحدا ، ولا ينقص ذلك مما عند اللّه شيئا . وإن شئت جمعناها لك في الآخرة . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بل اجمعها لي في الآخرة » فنزل تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ