أبو الليث السمرقندي

505

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وكان مسطح من فقراء المهاجرين ومن أقرباء أبي بكر « 1 » . وَلْيَعْفُوا ، يقول : ليتركوا وَلْيَصْفَحُوا يعني : وليتجاوزوا . أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ، فقال أبو بكر : أنا أحب أن يغفر اللّه لي ، فقد تجاوزت عن قرابتي ، ويقال : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأبي بكر : « ألا تحبّ أن يغفر اللّه لك » ؟ قال : نعم . فقرأ عليه السلام هذه الآية ، وأمره بأن ينفق على مسطح « 2 » . وفي الآية دليل : على أن من حلف على أمر فرأى الحنث أفضل منه ، فله أن يحنث ويكفر عن يمينه ، ويكون له ثلاثة أجور : أحدها : ائتماره بأمر اللّه تعال والثاني : أجر بره وذلك صلته في قرابته ، والثالث : أجر التكفير . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، يعني : غَفُورٌ لذنوبكم رَحِيمٌ بالمؤمنين . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 23 إلى 26 ] إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 23 ) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ( 25 ) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 26 ) قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ، يعني : العفائف الْغافِلاتِ ، يعني : عن الزنى والفواحش . الْمُؤْمِناتِ ، يعني : المصدقات بالألسن والقلوب ، لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وأصل اللعن : هو الطرد والبعد ، ويقال للشيطان : اللعين ، لبعده عن الرحمة . وروي في الخبر : « أن يوم القيامة تكون هذه الأمة شاهدة على الأمم الأولين ، إلا الذين تجري على لسانهم اللعنة » . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سمع رجلا يلعن بعيره ، فقال : « أتلعنها وتركبها ؟ » فنزل عنها ، ولم يركبها أحد « 3 » . قوله تعالى : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ، يعني : شديد يوم القيامة . وذكر أن حسان بن ثابت ذهب بصره في آخر عمره ، فدخل يوما على عائشة رضي اللّه عنها ، فجلس عندها ساعة ، ثم خرج ، فقيل لها : إن اللّه تعالى قال : لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الدّنيا والآخرة . فقالت عائشة : أوليس هذا أعظم ؟ يعني : ذهاب بصره . ويقال : عَذابٌ عَظِيمٌ إن لم يتوبوا . يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ، أي بما تكلموا . ثم قال : يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ، يعني : يوفيهم جزاء أعمالهم . قرأ حمزة والكسائي يشهد بالياء بلفظ المذكر ، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث ، لأن الفعل مقدم ، فيجوز أن يذكر ويؤنث . وقرأ مجاهد الحق بضم القاف ، فيكون الحق نعت للّه ، وتكون قراءة

--> ( 1 ) عزاه السيوطي : 6 / 162 إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم . ( 2 ، 3 ) عزاه السيوطي : 6 / 162 إلى عبد بن حميد وابن المنذر .