أبو الليث السمرقندي

483

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال عز وجل : فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ، يقول : فرّقوا دينهم وتفرّقوا في دينهم ، ومعناه : أن دين اللّه تعالى واحد ، فجعلوه أديانا مختلفة زبرا . قرأ ابن عامر : زُبُراً بنصب الباء ، أي قطعا وفرقا ، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي زُبُراً . بضم الباء ، أي كتبا ، معناه : جعلوا دينهم كتبا مختلفة ، ويقال : فتقطعوا كتاب اللّه وحرفوه وغيروه . كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ، يعني : بما هم عليه من الدين معجبون ، راضون به . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 54 إلى 61 ] فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ( 58 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ( 59 ) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ( 60 ) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( 61 ) قوله عز وجل : فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ ، يعني : اتركهم في جهالتهم حَتَّى حِينٍ ، يعني : إلى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب . ثمّ قال : أَ يَحْسَبُونَ ، يعني : أيظنون وهم أهل الفرق ، أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ يعني : أن الذي نزيدهم به مِنْ مالٍ وَبَنِينَ في الدنيا . نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ، يعني : هو خير لهم في الآخرة ؟ قرأ بعضهم يسارع بالياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله ، وقراءة العامة نُسارِعُ بالنون وكسر الراء ، يعني : يظنون أنا نسارع لهم . في الخيرات ، بزيادة المال والولد ، بل هو استدراج لهم . وروي في الخبر : « أن اللّه تعالى أوحى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام : أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا ، وهو أبعد له مني ويجزع عبدي المؤمن أن أقبض منه الدنيا ، وهو أقرب له مني ؟ » ثم قال : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ، وقد تم الكلام ، يعني : أيظنون أن ذلك خيرا لهم في الدنيا ؟ ثم قال : نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ أن ذلك فتنة لهم ؛ ويقال : أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ وقد تم الكلام ، يعني : أيظنون أن ذلك خير لهم في الدنيا ؟ ثم قال عز وجل : نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ يعني : نبادرهم في الطاعات وهو خير لهم ، أي في الآخرة بَلْ لا يَشْعُرُونَ أن ذلك مكر بهم وشر لهم في الآخرة . ثم ذكر المؤمنين ، فقال عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ، يعني : خائفين من عذابه ، ويقال : هذا عطف على قوله : وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ثم قال : وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ، يعني : بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن يصدقون .