أبو الليث السمرقندي
484
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله : وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ ، يعني : لا يشركون معه غيره ، ولكنهم يوحدون ربهم ، ويقال : بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ هو أن يقول : لولا فلان ما وجدت هذا . ثم قال : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ، يعني : يعطون ما أعطوا من الصدقة والخير . وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ، يعني : خائفة . وروى سالم بن مغول ، عن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني : أن عائشة رضي اللّه عنها سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هم الذين يشربون الخمر ، ويسرقون ، ويزنون ؟ قال : « لا يا بنت أبي بكر ، ولكنّهم هم الّذين يصومون ويتصدّقون ويصلّون » . وروي عن أبي بكر بن خلف أنه قال : دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي اللّه عنها فقلنا : يا أمّ المؤمنين كيف تقرئين وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ، قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا يا بنت أبي بكر ، هو الرّجل الّذي يصوم ويصلّي ويتصدّق ، ويخاف أن لا يقبل منه » . وقال الزجاج : من قرأ يُؤْتُونَ ما آتَوْا ، معناه : يعطون ما أعطوا ، ويخافون أن لا يقبل منهم ؛ ومن قرأ يأتون ما أتوا أي : يعملون من الخيرات ما يعملون ، ويخافون مع اجتهادهم أنهم مقصرون . ثم قال تعالى : أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ ، يعني : لأنهم إلى ربهم راجعون ، ومعناه : يعملون ويوقنون أنهم يبعثون بعد الموت . قوله عز وجل : أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ، يعني : يبادرون في الطاعات من الأعمال الصالحة ، وَهُمْ لَها سابِقُونَ ، يعني : هم لها عاملون ، يعني : الخيرات ، وقال الزجاج : فيه قولان : أحدهما : معناه هم إليها سابقون ، كقوله عز وجل : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] يعني : إليها ، ويجوز هُمْ لَها سابِقُونَ أي : لأجلها ، أي من أجل اكتسابها ، كقولك : أنا أكرم فلانا لك ، أي من أجلك . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 62 إلى 67 ] وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 62 ) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ( 63 ) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ ( 64 ) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ ( 65 ) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ ( 66 ) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ ( 67 ) قوله عز وجل : وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ، يعني : بقدر طاقتها . وَلَدَيْنا كِتابٌ ، يعني : وعندنا نسخة أعمالهم التي يعملون ، وهي التي تكتب الحفظة عليهم يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ، يعني : يشهد عليهم بالصدق . وقال الكلبي : وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ، أي طاقتها ، فمن