أبو الليث السمرقندي

460

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 36 إلى 37 ] وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 36 ) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ( 37 ) قوله عز وجل : وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ ؛ قرأ بعضهم : وَالْبُدْنَ بضم الدال وقراءة العامة بسكون الدال والمعنى واحد . مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، يعني : جعلنا البدن من مناسك الحج . لَكُمْ فِيها خَيْرٌ ، أي : في نحرها أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا . فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ ، يعني : قائمة قد صفت قوائمها . والآية تدل على أن الإبل تنحر قائمة . وروي عن عبد اللّه بن عمر : « أنه أمر برجل قد أناخ بعيره لينحره ، فقال له : « انحره قائما ، فإنه سنّة أبي القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم » ، وروي عن ابن مسعود ، وابن عباس أنهما كانا يقرآن فاذكروا اسم اللّه عليها صوافن ، والصوافن : التي تقوم على ثلاثة قوائم ، إذا أرادوا نحره ، تعقل إحدى يديه فهو الصافن ، وجماعته صوافن . وقال مجاهد : من قرأ صوافن ، قال : قائمة معقولة . من قرأها صواف ، قال يصفّ بين يديها . وروي عن زيد بن أسلم أنه قرأ صوافي بالياء منتصبة ، ويقال : خالصة من الشرك . وروي عن الحسن مثله وقال : خالصة للّه تعالى ، وهكذا روى عنهما أبو عبيدة ، وحكى القتبي عن الحسن أنه كان يقرأ صَوافَّ مثل قاض وغاز ، أي خالصة للّه تعالى ، يعني : لا يشرك به في حال التسمية على نحرها . ثم قال : فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها ، يعني : إذا ضربت بجنبها على الأرض بعد نحرها ، يقال : وجب الحائط إذا سقط ، ووجب القلب إذا تحرك من الفزع . ويقال : وجب البيع إذا تمّ . فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ، فالقانع : الراضي الذي يقنع بما أعطي ، وهو السائل . وَالْمُعْتَرَّ الذي يتعرض للمسألة ولا يتكلم ، ويقال : الْقانِعَ المتعفف الذي لا يسأل ويقنع بما أرسلت إليه وَالْمُعْتَرَّ : السائل الذي يعتريك للسؤال . وقال الزهري : « السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق » ، وروي عن عطاء ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ليأكل أحدكم من لحم أضحيته » . وروى منصور ، عن إبراهيم قال : كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم ، فرخص للمسلمين بقوله : فَكُلُوا مِنْها فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل . قال الفقيه أبو الليث رحمه اللّه : والأفضل أن يتصدق بثلثه على المساكين ، ويعطي ثلثه للجيران والقرابة ، أغنياء كانوا أو فقراء ، ويمسك ثلثه لنفسه . وروي عن ابن مسعود نحو هذا . وروي عن ابن عباس : « أن نافع بن الأزرق سأله عن الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ، فقال : القانع الذي يقنع بما أعطي ، والمعتر الذي يعتري بالأبواب وقال : أما سمعت قول زهير : على مكثريهم حقّ من يعتريهم * وعند المقلّين السّماحة والبذل