أبو الليث السمرقندي
461
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وقال مجاهد : القانع جارك وإن كان غنيا . ثم قال : كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ ، أي ذللناها لكم وهي البدن . لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ، يعني : لكي تشكروا ربكم على هذه النعمة . قوله عز وجل : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ، وذلك أن أهل الجاهلية ، كانوا إذا نحروا البدن عند زمزم ، أخذوا دماءها ، ولطخوا بها حول الكعبة ، وعلقوا لحومها بالبيت ، وقالوا : اللهم تقبل منا . فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك ، فنزل : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ، يعني : لن يصل إلى اللّه عز وجل لحومها ولا دماؤها . وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ، أي يصل إليه التقوى من أعمالكم الزاكية والنية الخالصة . قرأ الحضرمي : لن تنال اللّه بالتاء ، لأن لفظ اللحوم مؤنثة ، ولكن تناله بالتاء ، لأن لفظ التقوى مؤنث ، وقراءة العامة بالياء ، وانصرف إلى المعنى ، لأن الفعل مقدم . ثم قال : كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ ، يعني : ذلّلها لكم ، لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ؛ يقول : لتعظموا اللّه عز وجل عَلى ما هَداكُمْ ، يعني : أرشدكم لأمر دينه . وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ بالجنة ، فمن فعل ما ذكر في هذه الآيات ، فهو محسن . ويقال : المحسن الذي يحسن الذبيحة فيختار بغير عيب . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 38 إلى 41 ] إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ( 38 ) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ( 41 ) قوله عز وجل : إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ، يعني : يدفع كفار مكة عن الذين آمنوا ، فلا ينالون منهم شيئا . وقال الزجاج : إذا فعلتم هذا وخالفتم أهل الجاهلية ، فيما يفعلونه في نحرهم وإشراكهم ، فإن اللّه يدافع عن حزبه ، ويقال : إن أهل مكة آذوا المسلمين قبل الهجرة ، فاستأذنوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قتالهم في السر ، فنهاهم اللّه عز وجل عند ذلك . ثم قال عز وجل : إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ، يعني : يدفع أذاهم عن المسلمين ، فأمرهم بالصبر . قرأ ابن كثير وأبو عمرو إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ ، بغير ألف ، وقرأ الباقون يُدافِعُ بالألف ، من دافع يدافع ، بمعنى دفع . ثم قال : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ للأمانة كَفُورٍ كفور لربه ولنعمه . وقال أهل اللغة : الخوّان الفعّال من الخيانة ، وهو المبالغة في الخيانة ، فمن ذكر اسما غير اسم اللّه تعالى وتقرب إلى الأصنام بذبيحته ، فهو خوان كفور . قوله عز وجل : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ، يعني : أذن للمؤمنين بقتال المشركين . بِأَنَّهُمْ