أبو الليث السمرقندي
455
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة الحج ( 22 ) : آية 25 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 25 ) ثم قال عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني : أهل مكة . وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، يعني : صرفوا الناس عن دين الإسلام . وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ ؛ يعني : وعن المسجد الحرام . وهذه الآية مدنية ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما خرج مع أصحابه من الحديبية ، منعهم المشركون عن المسجد الحرام . ثم وصف المسجد الحرام ، فقال : الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً ، يعني : عاما للمؤمنين جميعا الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ ، يعني : سواء أهلها المقيم في الحرم ، ومن دخل مكة من غير أهله ؛ ومعناه : المقيم والغريب فيه سواء ، ويقال : في تعظيمه وحرمته ، ويقال : الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أراد به : جميع الحرم ، المقيم وغيره في حق النزول سواء . وقال عمر رضي اللّه عنه : « يا أهل مكّة ، لا تتّخذوا لدوركم أبوابا ، لينزل البادي حيث يشاء » « 1 » . ولهذا قال أبو حنيفة رحمه اللّه : « إن بيع دور مكة لا يجوز . وفي إحدى الروايتين يجوز ، وهذا قول أبي يوسف ، والأول قول محمد رحمه اللّه . قرأ عاصم في رواية حفص سَواءً بالنصب ، يعني : جعلناه سواء ، وقرأ الباقون سَواءً بالضم على معنى الابتداء . ثم قال : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ ، وهو الظلم والميل عن الحق ، ويقال : أصله ومن يرد فيه إلحادا ، فزيد فيه الباء ، كما قال : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [ المؤمنون : 23 ] ويقال : من اشترى الطعام بمكة للاحتكار ، فقد ألحد . ثمّ قال بِظُلْمٍ ، يعني : بشرك أو بقتل . نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . قال الزجاج : الإلحاد في اللغة ، العدول عن القصد ، وقال مقاتل : نزلت الآية في عبد اللّه بن أنيس بن خطل القرشيّ ، وذلك أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعث رجلين أحدهما مهاجريّ ، والآخر أنصاريّ ، فافتخرا في الأنساب ، فغضب عبد اللّه بن أنيس ، فقتل الأنصاري ، ثم ارتد عن الإسلام ، وهرب إلى مكة . فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم فتح مكة بقتله ، فقتل . قرأ أبو عمرو : والبادي بالياء عند الوصل ، وكذلك نافع في رواية ورش ، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر بغير ياء في الوصل والقطع ، وقرأ ابن كثير بالياء في الوصل والقطع ، وهو الأصل في اللغة ، ومن أسقطه ، لأن الكسر يدل عليه . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 26 إلى 27 ] وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 26 ) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ( 27 )
--> ( 1 ) عزاه السيوطي : 6 / 25 إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة .