أبو الليث السمرقندي
456
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ ، قال مقاتل : يعني : دللنا لإبراهيم موضع البيت ، فبناه مع إسماعيل عليهما السلام ولم يكن له أثر ولا أساس للبيت ، لأن البيت كان أيام الطوفان مرفوعا ، قد رفعه اللّه إلى السماء وهو البيت المعمور . وقال الكلبي : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ يعني : جعلنا لإبراهيم مكان البيت أي : موضع البيت ، جعله اللّه منزلا لإبراهيم ، بعث اللّه تعالى سحابة على قدر البيت فيها رأس يتكلم ، فيقول : يا إبراهيم ، ابن علي قدري وحيالي ، فأسس عليها البيت ، وذهبت السحابة . ثم بناه حتى فرغ منه ، فأوحى اللّه تعالى إليه : أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً ؛ وقال أبو قلابة : « بناه من خمسة أجبل : حراء ، وثبير ، وطور سيناء ، ولبنان ، وجبل أحد » . وقال الزجاج : وَإِذْ بَوَّأْنا ، أي : جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم ، والمبوأ : المنزل ، يعني : أن اللّه تعالى علم إبراهيم عليه السلام مكان البيت ، فبناه على أسه القديم ، وكان البيت قد رفع إلى السماء . قال : ويروى أن البيت الأول كان من ياقوتة حمراء . وروي عن ابن عباس أنه قال : « رفع السماء إلى السادسة ، يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك ، وهو بحيال الكعبة » . ثم قال : وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ، يعني : أوحى اللّه تعالى إلى إبراهيم : أن طهر بيتي من النجاسات ومن عبادة الأوثان لِلطَّائِفِينَ ، يعني : لأجل الطائفين بالبيت من غير أهل مكة وَالْقائِمِينَ ، يعني : المقيمين من أهل مكة وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ، يعني : أهل الصلاة بالآفاق من كل وجه . ثم قال اللّه عز وجل : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، يعني : ناد في الناس ، وذلك أن إبراهيم صلوات اللّه عليه لما فرغ من بناء الكعبة ، أمره اللّه تعالى أن ينادي ، فصعد إبراهيم على أبي قبيس ونادى : يا أيها الناس ، أجيبوا ربكم ، إن اللّه تعالى قد بنى بيتا وأمركم بأن تحجوه فحجّوه ؛ وقال مجاهد : فقام إبراهيم على المقام ، فنادى بصوت أسمع من بين المشرق والمغرب : يا أيها الناس أجيبوا ربكم ، فأجابوه من أصلاب الرجال : لبيك ، لبيك . قال : فإنما يحج من أجاب إبراهيم يومئذ . ويقال : التلبية اليوم جواب اللّه عز وجل من نداء إبراهيم عن أمر ربه ، فذلك قوله : يَأْتُوكَ رِجالًا ، يعني : على أرجلهم مشاة وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ ، يعني : على الإبل وغيرها . فلا يدخل بعيره ولا غيره الحرم ، إلا وقد ضمر من طول الطريق . يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، من نواحي الأرض عَمِيقٍ ، يعني : بعيد . وقال مجاهد : الفج الطريق ، والعميق البعيد ، وقال : إن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين ، وقال ابن عباس : « ما آسى على شيء ، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا لأن اللّه تعالى قال : يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ . قال الفقيه أبو الليث : هذا إذا كان بيته قريبا من مكة ، فإذا حج ماشيا ، فهو أحسن . وأما إذا كان بيته بعيدا ، فالركوب أفضل . وروي عن أبي حنيفة رحمه اللّه أنه قال : الراكب أفضل ، لأن في المشي يتعب نفسه ويسوء خلقه . وإن كان الرجل يأمن على نفسه أن يصبر ، فالمشي