أبو الليث السمرقندي
442
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
طالب رضي اللّه عنه أنه كان يقرأ : « حطب جهنم » ، وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ : « حضب جهنم » بالضاد ، وقراءة العامة حَصَبُ بالصاد ، يعني : رميا في جهنم . وكل ما يرمى في جهنم فهو حصب ، ويقال : الحصب هو الحطب بلسان الزنجية . ومن قرأ : حطب ، أي كل ما يوقد به جهنم ، ومن قرأ حضب بالضاد معناه : ما يهيج به النار . أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ، أي داخلون . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتى قريشا وهم في المسجد مجتمعون ، وثلاثمائة وستون صنما مصفوفة ، وصنم كل قوم بحيالهم ؛ فقال : « إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني : من هذه الأصنام ، « في النّار » . ثم انصرف عنهم ، فشق ذلك عليهم مشقة عظيمة شديدة . وأتاهم عبد اللّه بن الزبعرى ، وكان شاعرا ، فقال : ما لي أراكم بحال لم أركم عليها ؟ فقالوا : إن محمدا يزعم أنا وما نعبد في النار . فقال : لو كنت هاهنا لخصمته . فقالوا : هل لك أن نرسل إليه ؟ فقال : نعم . فبعثوا إليه ، فأتاهم ، فقال له ابن الزبعري : أرأيت ما قلت لقومك آنفا ، أخاص لهم أم عام ؟ فقال : « بل عام ، كل من عبد من دون اللّه فهو وما عبد في النار » . قال : أرأيت عيسى ابن مريم عليه السلام هذه النصارى تعبده ، فعيسى والنصارى في النار ؟ وهذا عزير تعبده اليهود ، فعزير واليهود في النار ؟ وهذا حي يقال لهم بنو مليح يعبدون الملائكة عليهم السلام ، فالملائكة وهم في النار ؟ فسكت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يجبهم ، فضج أصحابه وضحكوا « 1 » فنزل : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ، ونزل في عيسى وعزير والملائكة إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [ الأنبياء : 101 ] . ويقال : إن هذه القصة لا تصح ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان أفصح العرب ، وأنطقهم لسانا ، وأحضرهم جوابا كما وصف نفسه : « أنا أفصح العرب » فلا يجوز أن يسكت على مثل هذا السؤال ، ولم يكن السؤال لازما ، ويقال : كان سكوته للاستخفاف ، لأنه سئل سؤالا محالا ، لأنه قال : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ولم يقل ومن تعبدون . و « ما » لا يقع على النواطق ، و « من » تقع على النواطق ؛ ويقال : هذا القول يقال لهم يوم القيامة ، لأنه قال : قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ . يقال لهم عند ذلك : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ، فإن قيل : ما الحكمة في إدخال الأصنام في النار ؟ قيل : زيادة عقوبة للكفار ، لأن الأصنام أحجار ، فيكون الحر فيها أشد . ويقال : الفائدة في إدخال المعبود النار زيادة ذل وصغار عليهم ، حيث رأوا معبودهم في النار معهم من غير أن يكون للأصنام عقوبة ، لأنه لا يجوز التعذيب بذنب غيرهم .
--> ( 1 ) عزاه السيوطي : 5 / 679 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني ، وابن مردويه والحاكم وصححه .