أبو الليث السمرقندي
417
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ، يعني : على ما يقول أهل مكة من تكذيبهم إياك . وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ، يعني : صلّ لربك وبمحمد ربك وبأمر ربّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعني : صلاة الفجر وَقَبْلَ غُرُوبِها يعني : صلاة العصر ، ويقال : صلاة الظهر والعصر . وروى جرير ، عن عبد اللّه البجلي ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر ، لا تضامون في رؤيته » « 1 » - يعني : لا تزدحمون ، مأخوذ من الضم أي : لا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته بظهوره كما في رؤية الهلال . ويروى : لا تضامون بالتخفيف وهو الضم أي : الظلم ، أي : لا يظلم بعضكم في رؤيته بأن يراه البعض دون البعض - « فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن الصّلاة قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها فافعلوا » . ثم قرأ هذه الآية وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها على معنى التأكيد للتكرار . ثمّ قال : وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ ، يعني : ساعات الليل . فَسَبِّحْ ، يعني : صلاة المغرب والعشاء ، وَأَطْرافَ النَّهارِ ؛ يعني : غدوة وعشية على معنى التأكيد للتكرار . لَعَلَّكَ تَرْضى ؛ يعني : لعلك تعطى من الشفاعة حتى ترضى . قرأ الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ترضى بضم التاء ، على فعل ما لم يسم فاعله ، وقرأ الباقون بالنصب يعني : ترضى أنت . وقال أبو عبيدة : وبالقراءة الأولى نقرأ يعني : بالضم ، لأن فيها معنيين ، أحدهما : ترضى أي : تعطى الرضا ، والأخرى : ترضى أي يرضاك اللّه . وتصديقه قوله تعالى : وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [ مريم : 55 ] ؛ وليس في الأخرى وهي القراءة بالنصب ، إلا وجه واحد . ثم قال عز وجل : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ ، يعني : لا تنظر بالرغبة إلى ما أعطينا رجالا منهم من الأموال والأولاد . زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ، يعني : فإنه زينة الدنيا . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، يعني : لنبتليهم بالمال وقلة الشكر . وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ، يعني : جنة ربك خَيْرٌ من هذه الزينة التي في الدنيا ، وَأَبْقى ؛ أي : وأدوم . قال الفقيه أبو الليث رحمه اللّه : حدّثنا محمد بن الفضل . قال : حدّثنا محمد بن جعفر . قال : حدّثنا إبراهيم بن يوسف . قال : حدّثنا وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، عن يزيد بن عبد اللّه ، عن أبي رافع قال : نزل برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ضيف فبعثني إلى يهوديّ أن يبيعنا أو يسلفنا إلى أجل ، فقال اليهوديّ : لا واللّه إلّا برهن . فرجعت إليه فأخبرته فقال : « لو باعني أو أسلفني لقضيته ؛ وإنّي لأمين في السّماء وأمين في الأرض ، اذهب بدرعي الحديديّ » « 2 » ، فذهبت بها ، فنزل من بعد هذه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 573 ) و ( 7434 ) و ( 7435 ) ومسلم ( 633 ) وأبو داود ( 4729 ) والترمذي ( 2551 ) وابن ماجة ( 177 ) وأحمد 4 / 362 . ( 2 ) عزاه السيوطي : 5 / 612 إلى ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة .