أبو الليث السمرقندي
416
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ، يعني : عن القرآن والرسل ولم يؤمن . وقال مقاتل : من أعرض عن الإيمان ، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ؛ يعني : معيشة ضيقة . روي عن ابن مسعود ، وأبي سعيد الخدري أنهما قالا : مَعِيشَةً ضَنْكاً ؛ « يقول عذاب القبر » . وروى أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : مَعِيشَةً ضَنْكاً ، قال : « عذاب القبر » . وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ، أي : أعمى عن الحجة . وقال ابن عباس : « وذلك حين يخرج من القبر ، خرج بصيرا ، فإذا سيق إلى المحشر عمي » . قال عكرمة رحمه اللّه في قوله : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ، قال : عمي عليه عن كل شيء إلا جهنم ؛ وقال الضحاك في قوله : مَعِيشَةً ضَنْكاً . قال : كسب الخبيث وقال السدي : مَعِيشَةً ضَنْكاً ، قال : معيشة القبر حين يأتيه الملكان ، وقال قتادة : الضنك الضيق ، يقول : ضنكا في النار . قوله عز وجل : قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى ، قال مجاهد : لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى لا حجة لي ؟ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً بالحجة في الدنيا ، ويقال : لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى أي : أعمى العينين وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً في الدنيا ؟ قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا يعني : الرسول والقرآن فَنَسِيتَها وتركت العمل بها ولم تؤمن بها . وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ، أي : تترك في النار . ويقال : كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها ، أي : تعلّمت القرآن فنسيته وتركته . وقال السدي : وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى أي : تترك في النار وتترك عن الخير . ثم قال عز وجل : وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ يعني : هكذا نعاقب من أشرك باللّه ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ ، يعني : بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن . وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ، يعني : وأدوم . قوله عز وجل : أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ، يعني : أفلم يتبين لقومك ؟ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ، يعني : يمرون على منازلهم . إِنَّ فِي ذلِكَ ، يعني : في هلاكهم لَآياتٍ يعني : لعبرات لِأُولِي النُّهى ، يعني : لذوي العقول من الناس . وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ؛ وهذا مقدم ومؤخر ، يقول : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ بتأخير العذاب عن هذه الأمة أَجَلٌ مُسَمًّى ، أي : إلى يوم القيامة ، أي : لَكانَ لِزاماً ، أي : لأخذتهم بالعذاب كما أخذت من كان قبلهم من الأمم عند التكذيب ، ولكن نؤخّرهم إلى يوم القيامة وَ هو أَجَلٌ مُسَمًّى . وقال القتبي : معناه ، ولولا أن اللّه عز وجل جعل الجزاء يوم القيامة وسبقت بذلك كلماته ، لكان العذاب ملازما لا يفارقهم . وقال : في الآية تقديم ، أي : ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى ، لكان العذاب لازما . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 130 إلى 131 ] فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 )