أبو الليث السمرقندي
395
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
- فإن قيل : لم أمر بإلقائه في اليم ؟ قيل له : إنما أمره بذلك ، لأن البحر يخفي عن المنجمين ما فيه ، فكان إلقاؤه لتجنيب حال موسى عليه السلام عن المنجمين ، لكيلا يأخذه فرعون ويقلته . وقيل : أراد أن يكون مع الماء لكيلا يخاف وقت عبوره البحر لاحقا . وقيل : أراد اللّه تعالى أن يري أمّه حفظ اللّه تعالى له « 1 » . يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ، يعني : آل فرعون وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ، يعني : ألقيت محبتي عليك ، فكل من رآك أحبك . وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ، يقول : ما يصنع بك على منظر مني وبعلمي وبإرادتي . إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ : لآل فرعون هَلْ أَدُلُّكُمْ ؟ يعني : أرشدكم عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يعني : يضمه ويحوطه ويرضعه . فَرَجَعْناكَ ، يقول : رددناك إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها يعني : لتطيب نفسها . وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ ، يعني : من القود ، وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ؛ يعني : ابتليناك ببلاء بعد بلاء ، ويقال : بنعمة على إثر نعمة . قال : أخبرني الثقة بإسناده ، عن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس ، عن قول اللّه عز وجل لموسى : وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فسألته عن الفتون ما هو ؟ فقال : « استأنف النهار يا ابن جبير ، فإن له حديثا طويلا . فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس ، ليخبرني ما وعدني من حديث الفتون ، فقال ابن عباس : « تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان اللّه عز وجل وعد إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ما يشكون فيه . قال فرعون : فكيف ترون ؟ فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشغار ، يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ، ففعلوا . فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون وأن الصغار يذبحون قالوا : يوشك أن يفنى بنو إسرائيل ، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم . فاقتلوا عاما ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا ، فنشأت الصغار مكان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم . فأجمعوا أمرهم على ذلك . فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان ، فولدته علانية ، حتى إذا كان من قابل حملت بموسى ، فوقع في قلبها من الحزن والهمّ ، فذلك من الفتون يا ابن جبير . فأدخل عليه في بطن أمه ما يراد به ، فأوحى اللّه تعالى إليها أن لا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ يعني : أمر اللّه تعالى أم موسى إذا هي ولدته أن تجعله في التابوت ، ثم تلقيه في اليم . فلما ولدته فعلت ما أمرت به ، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ، لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليّ من أن ألقيه بيدي إلى دواب البحر تأكله . فانطلق به الماء حتى أرقى به عند فرضة مستقى جواري امرأة
--> ( 1 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة : « ب » .