أبو الليث السمرقندي

396

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

فرعون ، فرأينه فأخذنه ، فهممن أن يفتحن التابوت ، فقال بعضهن لبعض : إن في هذا مالا ، وإنّا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه . فحملنه كهيئته حتى رفعنه إليها . فلما فتحنه رأت فيه الغلام ، فألقى عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد قط من البشر ، وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من ذكر كل شيء إلا ذكر موسى . فلما سمع الذباحون بأمره ، أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير . فقالت للذباحين : اصبروا عليّ ، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل لا ينقص فآتي به فرعون فأستوهبه منه إياه . فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم أنهكم . فلما أتت فرعون به قالت : قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا . فقال فرعون : يكون لك ، فأما لي فلا حاجة لي فيه » . فقال ابن عباس : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والّذي يحلف به لو أقرّ فرعون بأن يكون قرّة عين له لهداه اللّه عز وجل بموسى . كما هدى به امرأته » . قال : « فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرا ، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل من ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ، ثم أمرت به فأخرج إلى السوق واجتمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها ، فلم يقبل ، فأصبحت أم موسى والهة ، فقالت لأخته : قصّي أثره فاطلبيه ، هل تسمعين له ذكرا أحيّ ابني أم قد أكلته الدواب في البحر ؟ فبصرت به عن جنب ، أي : عن بعد ، والجنب : أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد ، وهي إلى جنبه لا تشعر به فقالت : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ [ القصص : 12 ] فقالوا : وما يدريك ما نصحهم له ، وهل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك . وذلك من الفتون يا ابن جبير . فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه ، لرغبتهم في الملك ورجاء منفعته . فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها بالخبر ، فجاءت ، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها ، فمصه حتى امتلأ جنباه ريّا ، فانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها بأن قد وجدنا لابنك ظئرا ، فأرسلت إليها فأتت بها وبه . فلما رأت ما يصنع بها ، قالت لها : امكثي عندي ترضعين ابني ، فإني لم أحب مثل حبه شيئا قطّ . قالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي ، لا آلو خيرا إلا فعلت به ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي . فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها ، فأنجزها اللّه عز وجل وعده ، وأنبته اللّه تعالى نباتا حسنا . فلم تزل بنو إسرائيل تمتنع به من الظلم والسّخرة . فلما ترعرع أي : كبر ، قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريني ابني ، فواعدتها يوما وقالت لخزانها وقهارمتها : لا يبقى منكم أحد إلا ويستقبل ابني بهدية وكرامة . فلم تزل الهدايا والكرامات تستقبله من حيث خرج من بيت أمه إلى أن دخل إلى امرأة فرعون ، فلما دخل عليها بجّلته وأكرمته وفرحت به وأعجبها ، وبجّلت أمه لأثرها عليه . ثم قالت : لأنطلق به إلى فرعون فليبجلنّه وليكرمنّه . فلما دخلت به عليه جعلته في