أبو الليث السمرقندي

388

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

لأن الفعل مقدم ، فيجوز كلاهما . وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية حفص تتفطّرن بالتاءين والباقون بالنون ، ومعناهما واحد مثل : ينشق وتنشق . قال اللّه عز وجل : وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً يعني : ما اتخذ اللّه عز وجل ولدا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً يعني : أقر بالعبودية له يعني : الملائكة وعيسى وعزيرا عليهم السلام وغيرهم لَقَدْ أَحْصاهُمْ يعني : حفظ عليهم أعمالهم ليجازيهم بها وَعَدَّهُمْ عَدًّا يعني : علم عددهم ، ويقال : أَحْصاهُمْ أي : حفظ أعمالهم فيجازيهم وَعَدَّهُمْ عَدًّا أي : علم عدد أنفاسهم وحركاتهم وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً يعني : وحيدا بغير مال ولا ولد . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 96 إلى 98 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ( 98 ) قال عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني : الطاعات فيما بينهم وبين ربهم سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا يعني : يحبهم ويحبّبهم إلى الناس ، وقال كعب الأحبار رضي اللّه عنه : « قرأت في التوراة أنها لم تكن محبة لأحد إلا كان بدؤها من اللّه عز وجل ، ينزلها إلى أهل السماء ثم ينزلها إلى أهل الأرض ، ثم قرأت القرآن فوجدته فيه وهو قوله سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا يعني : محبة في أنفس القوم » ، روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا أحبّ اللّه تعالى عبدا نادى جبريل عليه السلام قد أحببت فلانا فأحبّوه فينادي في السّماء ثمّ تنزل له المحبّة في الأرض ، وإذا أبغض اللّه تعالى عبدا نادى جبريل قد أبغضت فلانا فينادي في أهل السّماء ثمّ تنزل له البغضاء في أهل الأرض » « 1 » . قوله عز وجل : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ يعني : هوّنا قراءة القرآن على لسانك لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ يعني : الموحدين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا أي جدلا بالباطل ، شديدي الخصومة ، هو جمع ألد مثل : أصمّ وصم . ثم قال عز وجل : وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ يعني : من قبل قريش هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يعني : هل ترى منهم من أحد أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً أي صوتا خفيا ، والركز : الصوت الذي لا يفهم . واللّه أعلم وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله .

--> ( 1 ) حديث أبي هريرة : أخرجه مالك : 1 / 240 والبخاري ( 7504 ) ومسلم ( 2685 ) والنسائي 4 / 10 وأحمد 2 / 418 .