أبو الليث السمرقندي

384

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ورودها أن يجاء بجهنم كأنها متن إهالة ، حتى إذا استوت عليها أقدام الخلائق برّهم وفاجرهم ، نادى مناد : خذي أصحابك وذري أصحابي ، فتخسف بكلّ ولي لها ، وهي أعلم بهم من الوالد بولده ، وينجو المؤمنون نديّة ثيابهم » . قال الفقيه : وحدثني الثقة بإسناده عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : « لما نزلت هذه الآية كبا لها الناس كبوة شديدة ، وحزنوا حتى بلغ الحزن منهم كل مبلغ ، وقالوا : وليس أحد إلا وهو يدخلها فأنشؤوا يبكون . قال : ونزل بابن مظعون ضيف فقال لامرأته : هيّئي لنا طعاما فاستوصي بضيفك خيرا حتى آتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فانتهى إليهم وهم يبكون فقال : ما يبكيكم ؟ قالوا : نزلت هذه الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا يقول : كائنا لا يبقى أحد إلا دخلها ، فأنشأ عثمان بن مظعون يبكي ، ثم انصرف إلى منزله باكيا ، فلما أتى منزله سمعت امرأته بكاءه ، فأنشأت تبكي ، فلما سمع الضيف بكاءهما أنشأ يبكي ، فلما دخل عليهما عثمان قال لها : ما يبكيك ؟ قالت : سمعت بكاءك فبكيت ، فقال للضيف : وأنت ما يبكيك ؟ قال : عرفت أن الذي أبكاكما سيبكيني ، قال عثمان : فابكوا وحق لكم أن تبكوا ، أنزل اللّه عز وجل اليوم على رسوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فمكثوا بعد هذه الآية سنتين ، ثم أنزل اللّه هذه الآية ، وهو قوله : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وروي في بعض الأخبار أنه نزل بعد ثلاثة أيام ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا أي الذين اتقوا الشرك والمعاصي وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ يعني : المشركين فِيها جِثِيًّا يعني : جميعا ، ففرح المسلمون بها . قرأ الكسائي . ننجي بالتخفيف ، قرأ والباقون بالنصب والتشديد ، أنجى ينجي ونجّى ينجّي بمعنى واحد . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 73 إلى 76 ] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 ) قوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ يعني : تعرض عليهم آياتُنا بَيِّناتٍ يعني : واضحات ، قد بين فيها الحلال والحرام قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني : النضر بن الحارث قال لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويقال : أهل مكة قالوا لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يعني أيّ دينين خَيْرٌ مَقاماً ، يعني : منزلا . قرأ ابن كثير مَقاماً بضم الميم ، وقرأ الباقون بالنصب ، فمن قرأ بالضم فهو الإقامة ، يقال : أقمت إقامة ومقاما ، ومن قرأ بالنصب فهو المكان الذي يقام فيه وَأَحْسَنُ نَدِيًّا يعني : مجلسا ، وذلك أنهم لبسوا الثياب ، وادّهنوا الرؤوس ، ثم قالوا للمؤمنين : أيّ الفريقين خير منزلة : المسلمون أو المشركون ؟ وأرادوا أن يصرفوهم عن دينهم .