أبو الليث السمرقندي
378
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله عز وجل : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ ، يعني : خبر إدريس عليه السلام . إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ، يعني : صادقا يخبر عن اللّه عز وجل ، وذكر عن وهب بن منبه أنه قال : « إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب اللّه عز وجل والسنن ، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وهو أول من لبس ثوب القطن ، وكانوا من قبل ذلك يلبسون جلود الضأن ، واسمه أخنوخ ، ويقال : إلياس » . وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ، يعني : الجنة . وقال مجاهد : يعني : في السماء الرابعة . قال : أخبرني الثقة بإسناده ، عن ابن عباس ، أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب : « إن إدريس كان رجلا خياطا ، وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذكر اللّه عز وجل ، وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين . فأتاه ملك من الملائكة عليهم السلام يقال له إسرافيل ، فبشره بالجنة وقال له : هل لك من حاجة ؟ قال : وددت أني أعلم إلى متى أجلي فأزداد خيرا . فقال له : ما أعلمه ، ولكن إن شئت حملتك إلى السماء . قال : فحمله إلى السماء ، فلقي ملك الموت ، فسأله عن أجله ، ففتح كتابا معه فقال : لم يبق من أجلك إلا ست ساعات أو سبع ساعات ، وقال : أمرت أن أقبض نفسك هاهنا ، فقبض نفسه في السماء ، فذلك قوله : رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا . وروى الكلبي ، عن زيد بن أسلم ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن إدريس جد أبي نوح » وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمنا وبعضهم كافرا ، فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم ، فأحبه ملك الموت ، فاستأذن اللّه تعالى في خلته ، فأذن له . قال : فهبط إليه في صورة غير صورته ، على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال : يا إدريس ، إني أحب أن أصحبك وأكون معك . فقال له إدريس : إنك لا تطيق ذلك . قال : أنا أرجو أن يقويني اللّه عز وجل على ذلك ، فكان معه يصحبه . وكان إدريس عليه السلام يسيح النهار كله وهو صائم ، فإذا جنّه الليل أتاه رزقه حيث يمسي ، فيفطر عليه ، ثم يحيي الليل كله . فساحا النهار كله صائمين ، حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر ، فقال : لا اللّه الذي جعلك بشرا ما أشتهيه ، فطعم إدريس ثم استقبلا الليل بالصلاة . وإدريس تناله السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر ، فجعل إدريس عليه السلام يتعجب منه ، ثم أصبحا صائمين ، فساحا حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال : لا والذي جعلك بشرا ما أشتهيه فطعم إدريس . ثم استقبلا الليل كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر ، فجعل إدريس يتعجب منه ، ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين ، فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب ، فقال : يا