أبو الليث السمرقندي
379
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا . فقال إدريس : ما أرى صاحبه هاهنا فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن . قال : فمضيا حتى مرا على غنم فقال : يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها ، فقال له إدريس : إنك معي منذ ثلاثة أيام ما طعمت شيئا ، فلو كنت آدميا لطعمت ، وإني لأدعوك إلى الحلال كل ليلة فتأبى علي ، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه ؟ فبصحبة ما بيني وبينك إلا أنبأتني من أنت ؟ قال : إنك ستعلم . قال : أخبرني من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت . ففزع إدريس عليه السلام حين قال أنا ملك الموت . قال : فإني أسألك حاجة . قال : ما هي ؟ قال : أن تذيقني الموت - فإنه قد بلغني عنه شدة ؛ ولعلي أعلم ما شدته ، فأكون له أشد استعدادا « 1 » - . قال ملك الموت عليه السلام : مالي من ذلك شيء وليس لك بدّ من أن تذوقه قال : فأوحى اللّه عز وجل إلى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله . قال : فقبض نفسه ساعة ثم أرسله ، فقال : كيف رأيت ؟ قال : لقد بلغني عنه شدة ، فلقد كان أشد مما بلغني عنه . قال : فإني أسألك حاجة أخرى . قال : ما هي ؟ قال : أحب أن تريني النار . قال : ما لي من ذلك من شيء ، ولكن سأطلب لك ، فإن قدرت عليه فعلت . فسأل ربه ، فأمره فبسط جناحه فحمله عليه ، حتى صعد به إلى السماء ، فانتهى به إلى باب من أبواب النار فدقّه فقيل : من هذا ؟ فقال : ملك الموت . فقال : مرحبا بأمين اللّه عز وجل ، فهل أمرت فينا بشيء ؟ فقال : لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم ، ولكن هذا إدريس عليه السلام سألني أن أريه النار ، فأحب أن تروها إياه . ففتح باب منها بشيء ، فجاءت بأمر عظيم ، فخرّ إدريس مغشيا عليه . فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق ، فقال له ملك الموت : ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي ، ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك . قال : فإني أسألك حاجة أخرى لا أسألك غيرها . قال : ما هي ؟ قال : أحب أن تريني الجنة . قال : ما لي من ذلك من شيء ، ولكن سأطلب فإن قدرت عليه فعلت . فانطلق به إلى خزنة الجنة ، فدق بابا من أبوابها فقيل : من هذا ؟ فقال : أنا ملك الموت . فقالوا : مرحبا بأمين اللّه عز وجل ، هل أمرت فينا بشيء ؟ فقال : لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم ، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه . قال : ففتح له الباب ، فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط ، فطاف فيها ساعة ثم قال له ملك الموت : انطلق بنا فلنخرج . فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال : واللّه لا أخرج حتى يكون اللّه عز وجل هو الذي يخرجني . فقال ملك الموت : إنه ليس حينها ولا زمانها ، ولكن طلبت إليهم لترى ، فانطلق بنا . فأبى عليه ، فقيض اللّه له ملكا من الملائكة فقال له ملك الموت : اجعل هذا الملك حكما بيني وبينك قال : نعم . قال الملك : ما
--> ( 1 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة « ب » .