أبو الليث السمرقندي
15
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ الجواب عن كل ما يسألون عنه . وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ، يعني : ولو بيّن لهم كل ما يختلج في نفوسهم ، لأعرضوا عنه لمعاندتهم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 24 إلى 26 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 ) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 25 ) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ، يعني : أجيبوا اللّه بالطاعة في أمر القتال ، وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ إلى القتال أو غيره . وإنّما قال : إِذا دَعاكُمْ ولم يقل : إذا دعواكم ، لأن الدعوة واحدة ، ومن يجب الرسول فقد أجاب اللّه تعالى . قوله تعالى : لِما يُحْيِيكُمْ ، يعني : القرآن الذي به حياة القلوب ، ويقال لِما يُحْيِيكُمْ - أي أمر الحرب الذي يعزكم ويصلحكم ويقوّيكم بعد الضعف « 1 » - ويقال : لِما يُحْيِيكُمْ يعني : يهديكم . ويقال : لِما يُحْيِيكُمْ ، يعني : لما يكون سببا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ . قال الفقيه : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا فارس بن مردويه ، عن محمد بن الفضل ، عن أبي مطيع ، عن حماد بن سلمة ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس أنه قال : « يحول بين المؤمن ومعاصيه التي تسوقه وتجره إلى النار ، ويحول بين الكافر وطاعته التي تجره إلى الجنة » « 2 » ويقال : يحول بين المرء وإرادته ، لأن الأمر لا يكون بإرادة العبد ، وإنما يكون بإرادة اللّه تعالى ، كما قال أبو الدرداء : يريد المرء أن يعطى مناه * ويأبى اللّه إلّا ما أرادا ويقال : يحال بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يعني : وأمله ، لأن الأجل حال دون الأمل . وقال سعيد بن جبير : « يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر » . وقال مجاهد : يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ يعني : يدركه ولا يفعله . ثم قال : وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، يعني : في الآخرة ، فتثابون بأعمالكم . قوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ؛ قال مقاتل : نزلت الآية في شأن عليّ وطلحة والزبير . قال الفقيه : حدثنا عمر بن محمد قال : حدثنا أبو بكر الواسطي قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف قال : حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً قال : نزلت في شأن أصحاب
--> ( 1 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة « أ » . ( 2 ) عزاه السيوطي 4 / 44 إلى ابن شيبة وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم والحاكم وصححه .