أبو الليث السمرقندي

79

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ، أي واتبعوا الذي أنزل على الملكين بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ . وقال القاضي الخليل بن أحمد قال : حدثنا الماسرجي فقال : حدثنا إسحاق قال : حدثنا حكام بن سلم الرازي قال : حدثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن قيس بن عباد ، عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في قوله تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . قال : إن الناس بعد آدم وقعوا في الشرك ، واتخذوا هذه الأصنام ، وعبدوا غير اللّه تعالى ، فجعلت الملائكة يدعون عليهم ويقولون : ربنا خلقت عبادك فأحسنت خلقهم ، ورزقتهم فأحسنت رزقهم ، فعصوك وعبدوا غيرك . فقال لهم الرب عز وجل : إنهم في عذر ، وقيل : في عيب فجعلوا لا يعذرونهم ولا يقبلون ويدعون عليهم . فقال لهم الرب : اختاروا منكم اثنين . فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما ، فاختاروا هاروت وماروت ؛ فأهبطهما اللّه تعالى إلى الأرض فأمرهما ونهاهما عن الزنى وقتل النفس وشرب الخمر ، فمكثا زمانا في الأرض يحكمان بالحق . وكان في ذلك الزمان امرأة فضّلت بالحسن على سائر النساء ، فأتيا عليها فخضعا لها بالقول وراوداها عن نفسها فقالت : لا حتى تصليا لهذا الصنم ، أو تقتلا هذه النفس ، أو تشربا هذه الخمر . فقالا : أهون الثلاثة شرب الخمر . فلما شربا الخمر سجدا للصنم وفعلا بالمرأة وقتلا النفس ، فكشف الغطاء فيما بينهما وبين الملائكة ، فنظروا إليهما وما يفعلان ، فجعلت الملائكة يعذرون بني آدم أهل الأرض ويستغفرون لمن فيها فقيل لهاروت وماروت : اختارا إما عذاب الدنيا وإما عذاب الآخرة . فقالا : عذاب الدنيا يذهب وينقطع وعذاب الآخرة لا انقطاع له ثم اختاروا عذاب الدنيا . فهما يعذبان إلى يوم القيامة . وروي في الخبر أن المرأة تعلمت منهما اسم اللّه الأعظم ، فصعدت به إلى السماء فمسخها اللّه تعالى كوكبا . ويقال : هو الكوكب الذي يقال له الزهرة . وروي عن ابن عمر أنه كان إذا نظر إلى الزهرة لعنها ويقول : هي التي فتنت هاروت وماروت . وروي عن علي رضي اللّه عنه هذا . وقال بعضهم : هذا لا يصح ، لأن هذا الكوكب قد كان خلقه في الأصل حين خلق النجوم ، وجعل مقادير الأشياء على سبع من الكواكب ، وجعل لكل كوكب سلطانا ، وجعل سلطان الزهرة الرطوبة . وقال بعضهم : إن كوكب الزهرة قد كان ، ولكن اللّه تعالى مسخ هذه المرأة على شبه الكوكب فهي تعذب هناك . وقال بعضهم : قد صارت إلى النار ، كما أن سائر الأشياء التي مسخت لم يبق منها أثر فذلك قوله تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ، يعني اليهود اتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى ، قال بعضهم : هذا الحرف أعني ما للنفي ، فكأنه يقول : ولم ينزل على الملكين السحر . وقال بعضهم : إن إبليس لعنه اللّه قد جاء بالسحر ووضعه عند أقدامهما ، وهما معلقان بالسلة فتذهب اليهود تتعلم السحر من تلك الكتب والملكين . يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ، أي فلا تتعلم السحر ، لأنه لا يجوز للملكين أن