أبو الليث السمرقندي
80
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
يعلّما الكفر . وقال بعضهم : ويبينان أن عمل السحر كفر ، وينهيان عن التعلم ويبيّنان كيفية السحر وهو بمنزلة رجل قال لآخر : علّمني ما الزنى أو علمني ما السرقة فيقول : إن الزنى كذا وكذا ، وهو حرام فلا تفعل وإن السرقة كذا وكذا هي حرام فلا تفعل . كذلك هاهنا الملكان يقولان : السحر كذا وكذا ، وهو كفر فلا تكفر . وقرأ بعضهم وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام وهي قراءة شاذة ، يعني كانا ملكين في بني إسرائيل فمسخهما اللّه تعالى . وقوله : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي اختبار وابتلاء . وأصل الفتنة الاختبار . قوله : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما أي من الملكين : ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، أي فيتعلمون منهما من السحر ما يفرقون به بين الرجل وزوجته ، يؤخذ الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على الجماع . ثم قال تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، أي بإرادة اللّه تعالى : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ، أي ما يضر في الدنيا ولا ينفعهم في الآخرة ، يعني السحر . وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، يعني اليهود علموا في التوراة أن من اختار السحر ما له في الآخرة من خلاق يعني نصيب . والخلاق في اللغة : هو النصيب الوافر . وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ، أي باعوا به ، يعني بئسما باعوا به أنفسهم . ويقال : بئس ما اختاروا لأنفسهم السحر على كتاب اللّه تعالى وسنن أنبيائه لو كانوا يعلمون ، ولكنهم لا يعلمون . فإن قيل : ذكر في الآية الأولى : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ وفي هذه الآية يقول : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ فمرة يقول : يعلمون ، ومرة يقول : لا يعلمون . فالجواب أن يقال : إنهم يعلمون ولكن لا منفعة لهم في علمهم ، وكل عالم لا يعمل بعلمه فليس بعالم ، لأنه يتعلم العلم لكي ينتفع به ، فإذا لم ينتفع به فكأنه لم يتعلم ، فكذلك هاهنا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ، لو كانوا يعرفون للعلم حقه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 103 إلى 104 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ، يعني اليهود لو صدقوا بثواب اللّه واتقوا السحر ، لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ يعني كان ثواب اللّه تعالى خيرا لهم من السحر والمثوبة والثواب بمعنى واحد وهو الجزاء على العمل وكذلك الأجر لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، فهذا نداء المدح ، يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . صدقوا بتوحيد اللّه تعالى وبمحمد ، لا تَقُولُوا راعِنا . وذلك أن المسلمين كانوا يأتون رسول اللّه - عليه السلام - ويقولون : يا رسول اللّه راعنا ، وهو بلغة العرب : أرعني سمعك . وأصله في اللغة : راعيت الرجل إذا تأملته وتعرفت أحواله . وكان هذا اللفظ بلغة اليهود سبا بالرعونة ، فلما