أبو الليث السمرقندي
78
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وقال بعضهم : هذا خطأ لأن نساء الأنبياء معافيات معصومات عن الفواحش ، فلا يجوز أن يظن بهن أن الشيطان يقربهن . وقال بعضهم : كان هذا على وجه الخيال لا على وجه الحقيقة ، لأن الشيطان روحاني وليس له جسم ، فلا يجوز أن تقع بينه وبين آدمي شهوة ولكن كان يريهن ذلك على وجه الخيال . فلما عرف الشيطان أن الناس علموا بحاله ، كتب سحرا كثيرا وجعله تحت كرسيه وألقى خاتم سليمان في البحر وهرب . وكان سليمان - عليه السلام - خرج إلى ساحل البحر وأجّر نفسه للملاحين كل يوم بسمكتين ، فلما أعطوه أجره ، باع إحداهما واشترى به الخبز وشق بطن الأخرى ، فوجد الخاتم في بطنها فرجع إلى ملكه ؛ فلما توفي سليمان جاء الشيطان على صورة آدمي وقال : إن أردتم أن تعلموا علم سليمان بن داود - عليهما السلام - فانظروا تحت كرسيه . فنظروا وحفروا ذلك الموضع وأخرجوا كتبا كثيرة فوجدوا فيها السحر والكفر ، فقال العلماء منهم : لا يجوز أن يكون هذا من علم سليمان ، وقال السفهاء منهم : بل هذا من علم سليمان واتبعوه ، فنزلت هذه الآية على النبي صلى اللّه عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء عذرا لسليمان - عليه السلام . ثم قال تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ، أي ما كان ساحرا . وفي الآية دليل أن الساحر كافر لأنه سمى السحر كفرا . وروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى جزء بن معاوية وهو عم الأحنف بن قيس ، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة . ثم قال تعالى : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ، أي هم الذين كتبوا السحر . قرأ حمزة والكسائي وَلكِنَّ الشَّياطِينَ بكسر النون من غير تشديد ورفع الشياطين ، وقرأ الباقون بتشديد النون مع النصب وبفتح النون في الشَّياطِينُ . وهذا هو الأصل في اللغة ، أن كلمتي إن ولكن إذا كانا مشددين ينصب ما بعدهما ، وإن لم يكونا مشددين يرفع ما بعدهما . وقال بعضهم لنزول هذه الآية سبب آخر ، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويعلمون الناس السحر والنيرنجات ، فكان سليمان يأخذ ذلك منهم ويدفنه تحت الأرض ، فلما مات سليمان قالت الشياطين للناس : إن علم سليمان مدفون في موضع كذا وكذا ، فحفروا ذلك الموضع وأخرجوا منه كتبا كثيرة . وقال بعضهم : معناه أن سليمان كان إذا أصبح كل يوم ، رأى نباتا بين يديه فيقول له : لأي دواء أنت ؟ فيقول : إني دواء لكذا وكذا ، وإن اسمي كذا كذا . فكان سليمان يكتب ذلك ويدفنه ، فنبت يوما من الأيام نبات بين يديه فقال له سليمان : ما اسمك ؟ فقال : خرنوب . فقال له : لأي دواء أنت ؟ فقال : إني لخراب المسجد . فعلم سليمان أنه قد جاء أجله ، لأنه علم أن المسجد لا يخرب في حياته ، وكان له صحيفة فيها يكتب أسماء الأدوية ويضعها في الخزانة ، فكتبت الشياطين سحرا ووضعوه في ذلك الموضع ، فلما مات سليمان وجدوا ذلك في كتبه فاتبعه بعض الناس فذلك قوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ .