أبو الليث السمرقندي
72
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ، قرأ ابن عباس غُلْفٌ بضم اللام وهي قراءة شاذة . والباقون بسكون اللام ، أي ذو ( غلف ) يعني ذو غلاف ، والواحد أغلف مثل : أحمر وحمر . ومعناه : أنهم يقولون قلوبنا في غطاء من قولك ولا نفقه حديثك . وهذا كما قال في آية أخرى وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [ فصلت : 5 ] . وأما من قرأ غُلْفٌ فهو جماعة الغلاف على ميزان حمار وحمر . يعنون أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك ، فلو كنت نبيا لفهمنا قولك . قال اللّه تعالى ردا لقولهم : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم اللّه وطردهم مجازاة لكفرهم . فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ، صار نصبا لأنه قدم المفعول . وقال بعضهم : معناه لا يؤمنون إلا القليل منهم ، مثل عبد اللّه بن سلام وأصحابه . وقال بعضهم : إيمانهم باللّه قليلا ، لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض . وقال بعضهم : معناه أنهم لا يؤمنون ، كما قال : فلان قليل الخير يعني لا خير فيه . ثم قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي حين جاءهم القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ، أي موافقا للتوراة في التوحيد ، وفي بعض الشرائع . ويقال : مصدق لما معهم ، يعني يدعوهم إلى تصديق ما معهم ، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة . وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ، أي من قبل مجيء محمد صلى اللّه عليه وسلم كانوا يستنصرون على المشركين ، لأن بني قريظة والنضير قد وجدوا نعته في كتبهم فخرجوا من الشام إلى المدينة ، ونزلوا بقربها ينتظرون خروجه . وكانوا إذا قاتلوا من يلونهم من المشركين - مشركي العرب - يستفتحون عليهم ، أي يستنصرون ويقولون : اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا - وكانوا يرجون أن يكون منهم - فينصروا على عدوهم ، فذلك قوله تعالى : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ، أي باسم النبي صلى اللّه عليه وسلم فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا ، أي محمد صلى اللّه عليه وسلم وعرفوه كَفَرُوا بِهِ وغيّروا نعته مخافة أن تزول عنهم منفعة الدنيا . كما قال تعالى : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ، أي سخط اللّه وعذابه على الجاحدين محمدا صلى اللّه عليه وسلم بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ . قال الكلبي : بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم . ويقال : بئسما صنعوا بأنفسهم حيث كفروا بما أنزل اللّه عليهم ، بعد ما كانوا