أبو الليث السمرقندي

73

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

خرجوا من الشام على أن ينصروا محمدا صلى اللّه عليه وسلم . ويقال : بئس ما صنعوا بأنفسهم حسدا منهم ، فذلك قوله تعالى : أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً ، أي حسدا منهم . ومعنى قوله : أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ ، أي كفروا مما ينزل اللّه . مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ ، أي لم يؤمنوا لأجل أن اللّه تعالى ينزل من فضله النبوة والكتاب على من يشاء مِنْ عِبادِهِ ، من كان أهلا لذلك وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم . قرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بالتخفيف ، وقرأ حمزة والكسائي وعصام وابن عامر بالتشديد أَنْ يُنَزِّلَ ؛ ونزل ينزل بمعنى واحد فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي استوجبوا اللعنة على أثر اللعنة . قال مقاتل : الغضب الأول حين كفروا بعيسى صلى اللّه عليه وسلم ، ثم استوجبوا الغضب الآخر حين كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . ويقال : الغضب الأول حين عبدوا العجل ، والغضب الثاني حين استحلوا السمك في يوم السبت . قوله تعالى : وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أي يهانون فيه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 91 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ، أيّ صدّقوا بالقرآن الذي أنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم وهم يهود أهل المدينة ومن حولها . قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا في التوراة وبموسى - عليه السلام - وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ، يعني بما سواه وهو القرآن . وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ ، أي القرآن هو الصدق ، وهو منزل من اللّه تعالى موافق لما معهم ، يعني أنهم إذا جحدوا بالقرآن صار جحودا لما معهم ، لأنهم جحدوا بما هو مصدق لما معهم فقالوا له : إنك لم تأتنا بمثل الذي أتانا به أنبياؤنا ، ولم يكن لنا نبي إلا كان يأتينا بقربان تأكله النار . قال اللّه تعالى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ وقد جاءوا بالقربان والبينات أي بالعلامات إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، أي إن كنتم مصدقين بالأنبياء . فهذا اللفظ للمستأنف وهو قوله فَلِمَ تَقْتُلُونَ ، ولكن المراد منه الماضي وإنما خاطبهم وأراد به آباءهم . وفي الآية دليل أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها ، لأنهم كانوا راضين بقتل آباءهم الأنبياء ، فسماهم اللّه تعالى قاتلين . وفي الآية دليل أن من ادعى أنه مؤمن ، ينبغي أن تكون أفعاله مصدقة لقوله ، لأنهم كانوا يدعون أنهم مؤمنون بما معهم . قال اللّه تعالى : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ ، يعني أي كتاب يجوّز قتل نبي من الأنبياء - عليهم السلام - وأي دين وإيمان جوّز فيه ذلك يعني قتل الأنبياء .