أبو الليث السمرقندي
567
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
تنسلخ الحية من جلدها . ويقال : تهاون بها ولم يعرف حقها ، ولا حرمتها ، وخرج منها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ يقول : غرّه الشيطان فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ أي فصار من الظالمين وفي الضالين . قال بعضهم : هو بلعم بن باعوراء كان عابدا من عباد بني إسرائيل ، وكان مستجاب الدعوة ، فنزع اللّه تعالى الإيمان عنه بدعاء موسى عليه السلام ، وذلك أن موسى عليه السلام قاتل فرعونا من الفراعنة فجمع ذلك الفرعون الكهنة والسحرة ، فقال لهم : أعينوني على هؤلاء - يعني : قوم موسى - فقالوا : لن تستطيعهم ، ولكن بجوارك رجل منهم فلو بعثت إليه واستعنت به ، فبعث الملك إلى بلعم فلم يجبه ، فبعث الملك إلى امرأة بلعم الهدايا وطلب منها بأن تأمره بأن يجيب الملك ، فجاءته امرأته وقالت : نحن في جوار هذا الملك فلا بد لك من إجابته . فأجابهم إلى ذلك ، وركب أتانا له ، وخرج إليهم فسار حتى إذا كان في بعض الطريق وقفت أتانه فضربها ، فلما ألح عليها كلّمته الأتان وقالت : انظر إلى ما بين يديك فنظر فإذا هو جبريل قال له : خرجت مخرجا ما كان ينبغي لك أن تخرج . فإذا خرجت فقل حقا قال : فلما قدم عليه أمر له بالذهب والفضة والخدم والفرش فقبل . فقال له : قد دعوتك لتدعو لي على هذا العسكر دعوة . قال : غدا . فلما تلاقى القوم قال بلعم : إن بني إسرائيل أمة موسى ملعون من لعنهم ومبارك من بارك عليهم . فقالوا له : ما زدتنا إلا خبالا . قال بلعم : ما استطعت غير ما رأيت . ولكني أدلك على أمر إن فعلته فوقعوا به خذلوا ونصرت عليهم ، تعمد إلى نساء حسان فتجعل عليهم الحلي والثياب والعطر ثم ترسلهن في عسكرهم . فإن وقعوا بهن خذلوا . ففعل ذلك فما تعرض لهن منهم إلا سفهاؤهم فخذلوا . فأخبر بذلك موسى فدعا عليه فنزع اللّه منه الإيمان . وقال بعضهم : إنما هو أمية بن أبي الصلت قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان وكان يخبر أن نبينا يبعث وكان قد أظل زمانه . وكان يرى أن الوحي ينزل عليه لكثرة علمه . فلما سمع بخروج النبي صلى اللّه عليه وسلم وقصته كفر حسدا له . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا سمع شعره قال : « آمن لسانه وكفر قلبه » فذلك قوله : آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . ثم قال : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها يعني : بالآيات ويقال : رفعناه في الآخرة بما علمناه من آياتنا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يعني : أمية بن أبي الصلت أو بلعم بن باعوراء مال إلى الدنيا ورضي بها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي هوى نفسه ويقال : عمل بهوى المرأة وترك رضي اللّه ويقال : أخذ مسافل الأمور وترك معاليها فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يقول : مثل بلعم كمثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ يقول : إن طردته فهو يلهث أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ يعني : وإن تركته فهو يلهث . قال القتبي : كل شيء يلهث من إعياء أو عطش ما خلا الكلب . فإنه يلهث في حال الراحة والصحة والمرض . فضرب اللّه تعالى به مثلا يعني : كما أن الكلب إن طردته أو تركته يلهث فكذلك بلعم أو أمية بن أبي الصلت إن وعظته لم يتعظ وإن تركته لم يفعل . وقال مجاهد : يعني الكفار إن قرئ عليهم الكتاب لم يقبلوا ، وإن لم يقرأ عليهم لم يعملوا هم أهل