أبو الليث السمرقندي

568

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

مكة . ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني : ذلك صفة الذين جحدوا نبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم والقرآن فَاقْصُصِ الْقَصَصَ أي اقرأ عليهم القرآن لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي : لكي يتعظوا بأمثال القرآن ويؤمنوا به . قوله تعالى : ساءَ مَثَلًا يعني : بئس مثل الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني : بئس مثل من كان مثل الكلب ، وإنما ضرب المثل بالكلب تقبيحا لمذهبهم . ويقال : بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وكانت صفتهم مثل صفة بلعم وهم أهل مكة كذبوا بآياتنا ، فلم يؤمنوا بها مثل بلعم وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ يعني : يضرون بأنفسهم ثم قال تعالى : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي يعني : من يهده اللّه لدينه فهو المهتدي من الضلالة وَمَنْ يُضْلِلْ يعني : ومن يضله عن دينه ويخذله فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ بالعقوبة . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 179 إلى 180 ] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 180 ) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً يعني : خلقنا لجهنم كثيرا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فإن قيل : قد قال في آية أخرى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] فأخبر أنه خلق الجن والإنس لعبادته . وهاهنا يقول : خلقهم لجهنم . قيل له : قد خلقهم للأمرين جميعا منهم من يصلح لجهنم فخلقه لها ، ومنهم من يصلح للعبادة فخلقه لها ، ولأن من لا يصلح لشيء لا يخلقه لذلك الشيء . ويقال معنى قوله : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني : إلا للأمر والنهي . ويقال : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني : إلا لكي يمكنهم أن يعبدوا ، وقد بينت لهم الطريق . ويقال : في هذه الآية تقديم وتأخير . ومعناه : ولقد ذرأنا جهنم لكثير من الجن والإنس . ثم وصفهم فقال تعالى : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها يعني : لا يعقلون بها . الحق كما قال في آية أخرى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] ثم قال : وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها يعني : الهدى وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها يعني : الهدى . ثم ضرب لهم مثلا آخر فقال : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ فشبههم بالأنعام لقلة رغبتهم وتغافلهم عن الحق . يعني : إنهم كالأنعام في ذهنهم لا في صورهم . لأنه ليس للأنعام إلا الأكل