أبو الليث السمرقندي
565
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وروى أسباط عن السدي في قول اللّه تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ الآية . قال : لما أخرج اللّه تعالى آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء ، مسح صفحة ظهر آدم اليمين فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال : ادخلوا الجنة برحمتي ، ومسح صفحة ظهره اليسرى أخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال لهم : ادخلوا النار ولا أبالي . فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فأجابه طائفة طائعين ، وطائفة كارهين . فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة : إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ . فلما رويت فيه من الأخبار من طرق شتى لا يجوز رده ، ويرجع الطعن إلى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ورضي اللّه تعالى عنهم - . ويجب للطاعن أن يطعن في فهم نفسه لا في الصحابة . وهذا كقوله : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [ الأحقاف : 11 ] أما الجواب عن قولهم : إنه قال : مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهر آدم فالمعنى في ذلك - واللّه أعلم - أنه قد أخرج ذرية آدم الذين هم ولده من صلبه ، ثم أخرج من ظهورهم ذريتهم ، ثم أخرج من بعدهم حتى أخرج جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فأخرج من ظهورهم كل نسمة تخرج من ظهر ، فذكر الأخذ من ظهور ذريته ، ولم يذكر ظهر آدم لأن في الكلام دليلا عليه كما قال اللّه تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [ غافر : 46 ] ولم يذكر فرعون لأن في الكلام دليلا عليه . وأما الجواب عن قولهم : إنه لا يجوز خطاب الذر فعن هذا القول جوابان . أحدهما : أنه يجوز أن يكونوا كالذر في الصغر ويرزقهم اللّه تعالى من العقل ما يكونوا به من أهل الخطاب . ألا ترى أن نملة سليمان بن داود - عليهما السلام - قد تكلمت بكلام العقلاء وفهم ذلك عنها سليمان ، وسبّح الطير والجبال مع داود ، فكذلك هذا . والجواب الثاني أنهم كانوا كالذر في الازدحام والكثرة لا في الخلقة والجثة . ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم لأن الذر إذا كثرت وازدحمت لا يعرف عددها . فكذلك ذرية آدم كانوا في الكثرة والازدحام مثل الذر . ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم . والجواب عن قولهم : أنه لا تكون الحجة بشيء لم يذكر أن يقال : إن اللّه تعالى قد أرسل الرسل وأخبرهم بذلك الميثاق ، وإذا أخبرهم الرسل بذلك صار حجة عليهم . فإن قيل : إن الرسل وإن أخبروهم فإذا لم يذكروا ذلك فكيف يصير حجة عليهم ؟ قيل لهم : وإن لم يذكروا صار قول الثقات حجة عليهم . ألا ترى أن رجلا لو طلق امرأته وقد نسي فشهد عليه شاهدان عدلان بأنه قد طلقها قبل غيبته عنها يجب عليه أن يقبل قولهما . وكذلك لو صلى فشهد عليه عدلان أنه ترك ركعة من صلاته وجب عليه أن يأخذ بقولهما وإن كان لا يذكر . فكذلك هاهنا والجواب عن قولهم إنه لم يقل : أحييتنا ثلاث مرات . لأن الإحياء المعروف مرتان فذكر الإحياء الذي كان معروفا عنده . وقوله تعالى : شَهِدْنا قال