أبو الليث السمرقندي
55
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ [ الزمر : 3 ] يعني قالوا : ما نعبدهم . ومثل هذا في القرآن كثير . وكذلك قوله هاهنا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ، أي من حلالات ما رَزَقْناكُمْ ، أي أعطيناكم من المن والسلوى ولا ترفعوا منها شيئا ، كما قال في آية أخرى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ [ طه : 81 ] ، أي ولا تعصوا فيه فلا ترفعوا إلى الغد ، فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة أن ينفد فرجع ذلك عنهم ، ولو لم يرفعوا لدام ذلك عليهم . قوله تعالى : وَما ظَلَمُونا ، يقول وما أضرونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ، أي أضروا بأنفسهم حيث رفعوا إلى الغد حتى منع ذلك عنهم . وروى خلاس ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطّعام ، ولم ينتن اللّحم ، ولولا حواء لم تخن امرأة زوجها » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) ثم قال تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ، قال الكلبي : يعني أريحا . وقال مقاتل : إيليا . ويقال : هذا كان بعد موت موسى - عليه السلام - وبعد مضي أربعين سنة ، حيث أمر اللّه تعالى يوشع بن نون وكان خليفة موسى - عليهما السلام - بأن يدخل مع قومه المدينة ، فقال لهم يوشع بن نون : ادخلوا الباب سجدا ، يعني إذا دخلتم من باب المدينة فأدخلوا ركعا منحنين ناكسي رؤوسكم متواضعين ، فيقوم ذلك منكم مقام السجود وذلك قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ، يعني أريحا أو إيليا . فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ، موسعا عليكم وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً ، أي ركعا منحنين وَقُولُوا حِطَّةٌ . قرأ بعضهم بالرفع وبعضهم بالنصب وهي قراءة شاذة ، وإنما جعله نصبا لأنه مفعول . ومن قرأ بالرفع معناه وقولوا حطة . وروي عن قتادة أنه قال : تفسير حِطَّةٌ ، يعني حطّ عنا خطايانا . وقال بعضهم : معناه لا إله إلا اللّه . وقال بعضهم : بسم اللّه . وقال بعضهم : أمروا بأن يقولوا بهذا اللفظ ولا ندري ما معناه . ثم قال : نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ ، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام تغفر بالتاء والضمة ، لأن لفظ الخطايا مؤنث . وقرأ نافع ومن تابعه من أهل المدينة يغفر بالياء والضمة بلفظ التذكير ، لأن تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفعل مقدم . وقرأ الباقون بالنون وكسر الفاء على