أبو الليث السمرقندي
38
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
التوراة بأن يأمر قومه ليقروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ويصدقوه إذا خرج . وكان موسى عليه السلام عاهدهم على ذلك ، فلما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كذبوه ولم يصدقوه ونقضوا العهد . ويقال : إنه أراد به العهد الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم ، حيث قال تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] فنقضوا ذلك العهد والميثاق . فإن قيل : كيف يجوز هذا واليهود كانوا مقرّين باللّه تعالى ؟ فكيف يكون نقض العهد وهم مقرون ؟ قيل له : إنهم إذا لم يصدقوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم فقد أشركوا باللّه ، لأنهم لم يصدقوا بأن القرآن من عند اللّه ، ومن زعم أن القرآن قول البشر فقد أشرك باللّه تعالى ، وصار ناقضا للعهد . ويقال : الميثاق الذي يعرف كل واحد ربه إذا تفكر في نفسه ، فكان ذلك بمنزلة أخذ الميثاق عليه ، وجميع ما في القرآن من ذكر الميثاق فهو على هذه الأوجه الثلاثة . وقوله تعالى : وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ، روى الضحاك وعطاء ، عن ابن عباس أنه قال : إنهم أمروا أن يؤمنوا بجميع الأنبياء فآمنوا ببعضهم ولم يؤمنوا ببعضهم ، فهذا معنى قوله : وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ . ويقال : أمروا بصلة القرابات فقطعوا الأرحام فيما بينهم . ويقال : كانت بين اليهود والعرب قرابة من وجه ، لأن العرب كانت من أولاد إسماعيل واليهود من أولاد إسحاق ، فإذا لم يؤمنوا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم فقد قطعوا ذلك الرحم الذي كان بينهم . وقوله تعالى : وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ، لأنهم يكفرون ويأمرون غيرهم بالكفر ، فذلك فسادهم في الأرض أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون في العقوبة . وقال الكلبي : ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله منزل وأهل وخدم في الجنة ، فإن أطاع اللّه أتى ومنزله وأهله وخدمه في الجنة ، وإن عصى اللّه ورثه اللّه تعالى المؤمنين ، فقد غبن أي بعد عن أهله وخدمه ، كما قال في آية أخرى قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ الزمر : 15 ] . وقال بعضهم : هذا التفسير لا يصح لأنه لا يجوز أن يقال للكافر منزل في الجنة وخدم ، إلا أن الكلبي لم يقل ذلك من ذات نفسه ، وإنما رواه عن أبي صالح ، عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 28 ] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ ، قال ابن عباس : هو على وجه التعجب . وقال الفراء : هو على وجه التوبيخ والتعجب لا على وجه الاستفهام ، فكأنه قال : ويحكم كيف تكفرون وتجحدون بوحدانية اللّه تعالى . فإن قيل : كيف يجوز التعجب من اللّه تعالى ؟ وإنما يجوز التعجب ممن رأى شيئا لم يكن رآه أو سمع شيئا لم يكن سمعه فيتعجب لذلك ، واللّه