أبو الليث السمرقندي
39
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
تعالى قد علم الأشياء قبل كونها . قيل له : التعجب من اللّه تعالى يكون على وجه التعجيب ، والتعجيب هو أن يدعو إلى التعجب فكأنه يقول : ألا تتعجبون أنهم يكفرون باللّه ؟ ! وهذا كما قال في آية أخرى وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [ الرعد : 5 ] . ثم قال : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ، أي كنتم نطفة في أصلاب آبائكم فأحياكم في أرحام أمهاتكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقطاع آجالكم ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث يوم القيامة ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة فتثابون بأعمالكم . قال الكلبي : فلما ذكر البعث عرف اليهود فسكتوا وأنكر ذلك المشركون فقالوا : ومن يستطيع أن يحيينا بعد الموت ؟ فنزل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] . فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لليهود وهم لم يكفروا باللّه تعالى ؟ فالجواب ما سبق ذكره : أنهم لما أنكروا نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقد أنكروا وحدانية اللّه تعالى لأنهم أخبروا أن القرآن قول البشر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 29 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ، أي قدّر خلقها لأن الأشياء كلها لم تخلق في ذلك الوقت ، لأن الدواب وغيرها من الثمار التي في الأرض تخلق وقتا بعد وقت ، ولكن معناه قدّر خلق الأشياء التي في الأرض . وقوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ هذه الآية من المشكلات ؛ والناس في هذه الآية وما شاكلها على ثلاثة أوجه : قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وهذا كما روي عن مالك بن أنس - رحمه اللّه - أن رجلا سأله عن قوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ، فقال مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا ضالا فأخرجوه فطردوه ، فإذا هو جهم بن صفوان . وقال بعضهم : نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول المشبهة . وللتأويل في هذه الآية وجهان : أحدهما : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ، أي صعد أمره إلى السماء ، وهو قوله : ( كن فكان ) ، وتأويل آخر وهو قوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي أقبل إلى خلق السماء . فإن قيل : قد قال في آية أخرى أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) [ النازعات : 27 ، 28 ، 30 ] فذكر في تلك الآية أن الأرض خلقت بعد السماء ، وذكر في هذه الآية أن الأرض خلقت قبل السماء . الجواب عن هذا أن يقال : خلق الأرض قبل السماء وهي ربوة حمراء في موضع الكعبة ، فلما خلق السماء بسط الأرض بعد خلق السماء فذلك قوله تعالى : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي بسطها .