أبو الليث السمرقندي
37
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
بذكر البعوضة وبما فوقها . ويقال : لا يمنعه الحياء أن يضرب المثل ويبيّن ويصف للحق شبها ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ، يعني بالذباب والعنكبوت . وقال بعضهم : فما فوقها أي بما دونها في الصغر ، وهذا من أسماء الأضداد يذكر الفوق ، ويراد به دونه ، كما يذكر الوراء ويراد به الأمام مثل قوله : وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا [ الإنسان : 27 ] أي أمامهم ، فكذلك الفوق يذكر ويراد به ما دونه ، أي يضرب المثل بالبعوضة وبما دونها ، بعد أن يكون فيه إظهار الحق ، وإرشاد إلى الهدى ، فكيف يمتنع من ضرب المثل بالبعوضة ، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه . ويقال : إنما ذكر المثل بالبعوضة ، لأن خلقة البعوضة أعجب ، لأن خلقتها خلقة الفيل . ويقال : لأن البعوضة ما دامت جائعة عاشت فإذا شبعت ماتت ، فكذلك الآدمي إذا استغنى ، فإنه يطغى . فضرب اللّه المثل للآدمي . ثم قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ، أي صدقوا وأقروا بتوحيد اللّه تعالى : فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، يعني المثل بالذباب والعنكبوت ، فيؤمنون به . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ، يعني اليهود والمشركين فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ، أي بذكر البعوضة والذباب . قال اللّه تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ، أي إنما ضرب المثل ليضل به كثيرا من الناس ، يعني يخذلهم ولا يوفقهم وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، يعني يوفق به على معرفة ذلك المثل كثيرا من الناس وهم المؤمنون . وقال بعضهم : معنى قوله يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ، أي يسميه ضالا ، كما يقال : فسّقت فلانا ، أي سميته فاسقا ، لأن اللّه تعالى لا يضل به أحدا ، وهذا طريق المعتزلة ، وهو خلاف جميع أقاويل المفسرين ، وهو غير مستعمل في اللغة أيضا ، لأنه يقال : ضلّله إذا سمّاه ضالا ولا يقال : أضله إذا سماه ضالا ، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم . ثم قال تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ أي وما يهلك به وأصل الضلالة الهلاك . يقال : ضلّ الماء في اللبن إذا صار مستهلكا . وما يهلك ، وما يخذل به ، يعني بالمثل إلا الفاسقين ، وأصل الفسق في اللغة هو : الخروج عن الطاعة ؛ والعرب تقول : فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ويقال للفأرة : فويسقة ، لأنها تخرج من الحجر وقال اللّه تعالى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الكهف : 50 ] أي خرج عن طاعة ربه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 27 ] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 ) ثم نعت الفاسقين فقال تعالى : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ، أي يتركون أمر اللّه ووصيته من بعد ميثاقه ، أي من بعد تغليظه وتأكيده ، وذلك أن اللّه تعالى أمر موسى في