أبو الليث السمرقندي

275

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

عن فعلهم ، وذكر ما أجابهم به وأنجز لهم موعده ، وبيّن لهم ثوابه وهو قوله : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ . روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له ، لأنه قال تعالى : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ يعني ثواب عمل عامل في طاعتي مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يعني رجلا أو امرأة . قال : حدثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدثنا الديبلي ، قال : حدثنا أبو عبيد اللّه ، قال : حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار ، عن رجل من ولد أم سلمة يقال له سلمة بن الأكوع ، عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول اللّه إني أسمع اللّه ذكر الهجرة ، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النساء فأنزل اللّه تعالى : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى . بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال الكلبي : أي بعضكم أولياء بعض في الدين . وقال الضحاك : يعني يشبه بعضكم بعضا في الطاعة . ويقال : بعضكم على أثر بعض ، ويقال بعضكم على دين بعض . فَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني : أن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي عذّبوا في طاعتي وَقاتَلُوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المشركين وَقُتِلُوا أي قتلهم المشركون . قرأ حمزة والكسائي : وقتلوا وقاتلوا على معنى التقديم والتأخير كقوله تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [ آل عمران : 55 ] وقرأ الباقون : وقاتلوا وقتلوا ، إلا ابن كثير وابن عامر قرءا وقتّلوا بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة ، فذكر اللّه فعلهم ، ثم ذكر ثوابهم فقال : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأمحون عنهم ذنوبهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند اللّه . وقال الزجاج : إنما صار نصبا لأنه مصدر مؤكد ، معناه : لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، ولأثيبنهم ثوابا . وروي عن الفراء أنه قال : إنما صار نصبا على التفسير . وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أي حسن الجزاء وهو الجنة . ويقال : حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 196 إلى 197 ] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ( 196 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 197 ) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ يقول : لا يحزنك يا محمد ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض . ويقال : هذا الخطاب للمؤمنين ، ومعناه : لا يغرنكم تجارات الكفار وتصرفهم في أموالهم في البلاد ، لأن ذلك مَتاعٌ قَلِيلٌ لأن الكفار كانوا في رخاء وعيش ، وكانت لهم رحلة الشتاء والصيف ، وكان المؤمنون في ضيق وشدة ، فأخبر اللّه تعالى بمرجع الكفار في الآخرة ، وبمرجع المؤمنين فقال تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي ما هم فيه من العيش والسعة ، فإنما هو متاع أي يفنى بعد وقت قريب . قوله : ثُمَّ