أبو الليث السمرقندي
259
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم نزل في المنهزمين قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي الذين انهزموا منكم يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يعني جمع المسلمين ، وجمع المشركين إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ قال القتبي : استزلهم أي طلب زلتهم ، كما يقال : استعجلت فلانا أي طلبت عجلته ؛ واستعملته أي طلبت عمله . ويقال : زيّن لهم الشيطان بِبَعْضِ ما كَسَبُوا يعني : الذي أصابهم كان بأعمالهم كما قال في آية أخرى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشورى : 30 ] . وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ حيث لم يستأصلهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم حَلِيمٌ إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة . قال : حدّثنا الخليل بن أحمد ، قال : حدّثنا السراج ، قال : حدّثنا قتيبة ، قال : حدّثنا أبو بكر عن غيلان بن جرير ، أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام ، فقال له عبد الرحمن : أتسبّني وقد شهدت بدرا ولم تشهدها ؟ وبايعت تحت الشجرة ولم تبايع ؟ وقد كنت توليت فيمن تولى يوم الجمع - أي يوم أحد - فردّ عليه عثمان وقال : أما قولك إنك شهدت بدرا ولم أشهدها ، فإني لم أغب عن شيء شهده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إلا أن ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كانت مريضة فكنت معها أمرّضها ، وضرب لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بسهم في سهام المسلمين . وأما بيعة الشجرة ، فبعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ردا على المشركين بمكة ؛ فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يمينه على شماله قال : « هذه لعثمان » فيمين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إليّ خير من يميني وشمالي . وأما يوم الجمع فقال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ فكنت فيمن عفى اللّه عنهم . فخصم عثمان عبد الرحمن بن عوف . ثم قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني منافقي أهل الكتاب وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ من المنافقين : إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ يعني إذا ساروا في الأرض تجارا مسافرين ، فماتوا في سفرهم أَوْ كانُوا غُزًّى يعني : خرجوا في الغزو فقتلوا . قال القتبي : غزّا جمع غاز ، مثل صائم وصوّم ، ونائم ونوم لَوْ كانُوا عِنْدَنا بالمدينة ما ماتُوا في سفرهم وَما قُتِلُوا في الغزو لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ الظن حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ويقال : جعل اللّه ذلك القول حسرة في قلوبهم لأنه ظهر نفاقهم . وقال الضحاك : ليجعل اللّه ذلك حسرة في قلوب المنافقين ، لأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ، تسرح في أشجار الجنان حيث شاءت . وأرواح قتلى المنافقين في حواصل طير سود تسرح في الجحيم .