أبو الليث السمرقندي

260

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال تعالى : وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يحيي في السفر ويميت في الحضر ، ويحيي في الحضر ويميت في السفر . ويقال : واللّه يحيي قلوب المؤمنين ويميت قلوب الكافرين ، يحيي قلوب المؤمنين بالنصرة والخروج إلى الغزو ، ويميت قلوب المنافقين بالتخلف وظن السوء . وقال الضحاك : يعني يحيي من أحيى من نطفة بقدرته ، ويميت من أمات بعزته وسلطانه . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قرأ عبد اللّه بن كثير وحمزة والكسائي : يعملون بالياء على معنى المغايبة . وقرأ الباقون : بالتاء . ومعناه قل لهم : واللّه بما تعملون بصير وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ يعني : إن متم في إقامتكم ، أو قتلتم في سبيل اللّه وأنتم مؤمنون لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ يعني : ونعمة وجنة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ في الدنيا من الأموال يا معشر المنافقين . قرأ أبو عمرو ، وابن كثير ، وابن عامر ، وعاصم : متم بضم الميم في جميع القرآن ، والباقون بكسرها . وهما لغتان ومعناهما واحد . ثم قال : وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ في الغزو لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت . قرأ عاصم في رواية حفص : خير مما يجمعون بالياء . وقرأ الباقون : بالتاء على معنى المخاطبة فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ يقول : فبرحمة من اللّه وما صلة ، فاللّه ذكر منه أن جعل رسوله رحيما رؤوفا بالمؤمنين ، حيث قال : فبرحمة من اللّه لِنْتَ لَهُمْ يا محمد أني لينت لهم جانبك ، وكنت رؤوفا رحيما بالمؤمنين وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ أي خشنا في القول غليظ القول لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي لتفرقوا من عندك ، ولكن اللّه جعلك سهلا سمحا طلقا لينا لطيفا بارا رحيما ، وهكذا قال الضحاك . ثم قال : فَاعْفُ عَنْهُمْ أي : فتجاوز عنهم ، ولا تعاقبهم بما يكون منهم من الزلة والذنب وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ من ذلك الذنب وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يقول : إذا أردت أن تعمل عملا فاعمل بتدبيرهم ومشاورتهم ، ويقال : ناظرهم في الأمر . ويقال : ناظرهم عند القتال . وروي عن عبد اللّه بن مسعود أنه كان يقرأ : وشاورهم في بعض الأمر ، لأنه كان يشاورهم فيما لم ينزل عليه الوحي فيه ، وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم عاقلا ذا رأي ، ولكنه أمر بالمشورة ليقتدي به غيره ، ولأن في المشاورة تودّدا لأصحابه ، لأنه إذا شاورهم تودّد قلوبهم . وفي المشورة أيضا ترك الملامة ، لأنه يقال : فعلت كذا بمشاورتكم . وروى سهل بن سعيد الساعدي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما شقي عبد قطّ بمشورة وما سعد عبد باستغناء رأي » . ثم قال تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي لا تتوكل على المشورة ، ولكن توكل على اللّه بعد المشورة لا على الأصحاب إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ الذين يتوكلون على اللّه . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 160 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 )