أبو الليث السمرقندي

249

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ يعني القرآن ، بيان للناس من الضلالة وَهُدىً من العمى وَمَوْعِظَةٌ من الجهل ، ويقال : هُدىً وَمَوْعِظَةٌ أي كرامة ورحمة لِلْمُتَّقِينَ وَلا تَهِنُوا أي لا تضعفوا ولا تجبنوا ، ويقال : ولا تعجزوا عن عدوكم وَلا تَحْزَنُوا على ما أصابكم من القتل والهزيمة يوم أحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يعني : الغالبون يقول آخر الأمر لكم . ويقال : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ في الجنة . ويقال : هذا وعد لأصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم في المستأنف وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أي الغالبون على الأعداء بعد أحد ، فلم يخرجوا بعد ذلك في عسكر إلا ظفروا في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي كل عسكر كان بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إذا كان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم ، فهذه البلدان كلها إنما فتحت في عهد أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم بعد انقراضهم ما فتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتحون في ذلك الوقت . ويقال : في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة ، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه لأنه قال لموسى عليه الصلاة والسلام : إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [ طه : 68 ] وقال لهذه الأمة : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ويقال اشتقّت هذه اللفظة من اسم اللّه تعالى ، لأن اسمه العلي الأعلى . وقال للمؤمنين : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني : إن كنتم مصدقين بوعد اللّه . ويقال : معناه إذ كنتم مؤمنين . ويقال : في الآية تقديم وتأخير ، فكأنه قال : ولا تهنوا ولا تحزنوا إن كنتم مؤمنين وأنتم الأعلون . ويقال : إن هذا وعد لهم بأنهم غالبون إن ثبتوا وصدقوا ، فلو أنهم ثبتوا وصدقوا لغلبوا كما غلبوا يوم بدر ، ولكنهم تركوا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فرجع الأمر عليهم . وكانت القصة في ذلك أنهم لما غلبوا المشركين يوم بدر ، وأصابوا منهم ما أصابوا - وسنذكر قصة بدر في سورة الأنفال إن شاء اللّه تعالى - فرجع أبو سفيان بن حرب إلى مكة بالعير ، وانهزم المشركون ، وذهب عكرمة بن أبي جهل ، ورجال أصيب أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم ببدر إلى أبي سفيان بن حرب - وهو رئيس مكة - فكلموه ، وأتاه كل من كان له في ذلك العير مال ، فقالوا : إن محمدا قد قتل خياركم ، فاستعينوا بهذه الأموال على حربه ففعلوا . قال الضحاك : فأعانهم أبو سفيان بمائة راحلة وما يصلحها من الزاد والسلاح ، فسارت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل ، وعليهم أبو سفيان بن حرب ، وكان في القوم خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعكرمة بن أبي جهل ، وذلك قبل دخولهم في الإسلام ، فلم يبق أحد من قريش إلا وخرج أهله معه وولده يجعلهم خلف ظهره ليقاتل عنهم .