أبو الليث السمرقندي
250
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فلما سمع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خطب الناس ، وقال في خطبته : « إنّي رأيت فيما يرى النّائم كأنّ في سيفي ثلمة فأوّلتها مصيبة في نفسي ، ورأيت بقورا قد ذبحت ، فأوّلتها قتلى في أصحابي ، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة ، فأوّلتها المدينة فأشيروا عليّ » . وكره الخروج إليهم ، فكان رأي عبد اللّه بن أبي ابن سلول مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأن لا يخرج إليهم ، ولكنه كان منافقا فقال : يا رسول اللّه لا تخرج إليهم فأنا ما خرجنا إلى عدوّ قط إلا أصاب منا ، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه . فقال رجال من المسلمين ممن أكرمهم اللّه بالشهادة وغيرهم ممن فاتته بدر : اخرج لهم يا رسول اللّه ، لكي لا يرى أعداء اللّه أنا قد جبنّا عنهم وضعفنا عن قتالهم . فلم يزالوا به حتى دخل ولبس لأمته ، ثم خرج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إليهم وقد خرج الناس فقالوا : استكرهنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فقالوا : يا رسول اللّه : قد استكرهناك وما كان لنا ذلك ، فإن شئت فأخرج ، وإن شئت فاقعد . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ينبغي للنّبيّ أن يضع سلاحه إذا لبسه حتّى يقاتل » . فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وسار إلى أحد ، فانخذل عبد اللّه بن أبي ابن سلول . قال في رواية الكلبي : فرجع معه ثلاثمائة من الناس ، وبقي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نحو سبعمائة رجل . وقال في رواية الضحاك : فانخذل في ستمائة رجل من اليهود ، وبقي مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ألف رجل من المؤمنين الطيبين . ثم خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى نزل بالشّعب من أحد ، وأمر عبد اللّه بن جبير على الرّماة وقال لهم : « لا تبرحوا من هذا الموضع ، واثبتوا هاهنا إن كان الأمر علينا أو لنا » . وقال في رواية الكلبي : كان الرماة خمسين رجلا . وقال في رواية الضحاك : كانوا سبعين رجلا . فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ظهره إلى أحد ، ودنا المشركون وأخذوا في الحرب ، فقامت هند امرأة أبي سفيان وصواحبتها حين حميت الحرب ، يضربن بالدّفوف خلف قريش ويقلن : نحن بنات طارق * نمشي على النّمارق إن تقبلوا نعانق * أو تدبروا نفارق فراق غير وامق فقاتل أبو دجانة في نفر من المسلمين قتالا شديدا ، وقاتل علي بن أبي طالب حتى انكسر سيفه ، وقاتل سعد بن أبي وقاص ، وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يقول لسعد : « ارم فداك أبي وأمّي » فقتلوا جماعة من المشركين ، وصدقهم اللّه وعده وأنزل نصره ، حتى كانت هزيمة القوم لا شكّ . فكشفوهم عن عسكرهم قال الزبير : رأيت هندا وصواحبتها هوارب ، فلما نظر الرماة إلى القوم وانهزموا ، أقبلوا على النهب فقال لهم عبد اللّه بن جبير : لا تبرحوا عن هذا الموضع ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد عهد إليكم . فلم يلتفتوا إلى قوله ، وظنوا أن المشركين قد انهزموا ؛ فبقي عبد اللّه بن جبير مع ثمانية نفر ، فخرج خالد بن الوليد مع خمسين ومائتي فارس من قبل الشّعب ، فقتلوا من بقي من الرماة ، ودخلوا خلف أقفية المسلمين ، وتفرق المسلمون ورجع