أبو الليث السمرقندي

24

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الدنيا بالبيان ، وفي الآخرة بالنجاة . وقد قيل : الفلاح هو البقاء في النعمة . وقد قيل : الفلاح إذا بلغ الإنسان نهاية ما يأمل . ويقال : معناه قد وجدوا ما طلبوا ، ونجوا من شر ما منه هربوا . وكل ما في القرآن المفلحون ، فتفسيره هكذا . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إن هاهنا للتأكيد وهو حرف من حروف القسم . والكفر في اللغة : هو الستر ، يقال : ليلة كافرة إذا كانت شديدة الظلمة ؛ وإنما سمي الكافر كافرا ، لأنه يستر نعم اللّه تعالى . وقوله عز وجل : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ قرأ أهل الكوفة وعاصم وحمزة والكسائي أَ أَنْذَرْتَهُمْ بهمزتين ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في رواية هشام بهمزة واحدة مع المد أَنْذَرْتَهُمْ وتفسير القراءتين لا يختلف . قال مقاتل : نزلت هذه الآية في مشركي قريش ، منهم : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو جهل وغيرهم . وقال الكلبي : نزلت في رؤساء اليهود منهم : كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، وأبو ياسر بن أخطب . قال الكلبي : وليس هو بأخي حيي . وقال بعضهم هو أخو حيي ؛ دخلوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث سألوه عن ألم و المص ثم خرجوا من عنده فنزل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي جحدوا بالقرآن سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ يعني خوفتهم أو لم تخوفهم لا يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون . فإن قيل : إذا علم أنهم لا يؤمنون ، فما معنى دعوتهم إلى الإسلام ؟ قيل له : لأن في الدعوة زيادة الحجة عليهم ، كما أن اللّه تعالى بعث موسى إلى فرعون ليدعوه إلى الإسلام وعلم أنه لا يؤمن . وجواب آخر : أن الآية خاصة ، وليست بعامة ، وإنما أراد به بعض الكفار الذين ثبتوا على كفرهم ، كما روي عن صفية بنت حيي بن أخطب قالت : رجع أبي وعمي من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال أحدهما لصاحبه : ما ترى في هذا الرجل ؟ فقال : إنه نبي ، فقال : ما رأيك في اتباعه ؟ فقال : رأيي أن لا أتبعه ، وأن أظهر له العداوة إلى الموت . فلم نزلت الآية في شأن مثل هؤلاء الذين قد ظهر لهم الحق وكانوا لا يؤمنون . فقال : أَ أَنْذَرْتَهُمْ . وأصل الإنذار هو الإعلام ، يعني خوفتهم بالنار ، وأعلمتهم بالعذاب أو لم تعلمهم ، فهو سواء ولا يصدقونه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 7 ] خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : أي طبع اللّه ، ومعنى الختم على قلوبهم أي ، ليس أنه يذهب بعقولهم ولكنهم لا يتفكرون فيعتبرون بعلامات