أبو الليث السمرقندي
25
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم فيؤمنون ، وَعَلى سَمْعِهِمْ فهم لا يسمعون الحق ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ أي غطاء فلا يبصرون الهدى . واتفقت الأئمة السبعة - رحمهم اللّه - على القراءة برفع الهاء ( غشاوة ) وقرأ بعضهم بنصبها وهي قراءة شاذة . فأما من قرأ برفع الهاء ، فهو على معنى الابتداء أي : ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم ، ثم ابتدأ فقال وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ؛ وأما من قرأ بالنصب فيكون الجعل فيه مضمرا ، يعني : جعل على أبصارهم غشاوة . فقد ذكر في شأن المؤمنين ثوابهم في الدنيا الهدى ، وفي الآخرة الفلاح ، وذكر في شأن الكفار عقوبتهم في الدنيا الختم ، وفي الآخرة وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني عذابا وجيعا ، يخلص الوجع إلى قلوبهم . قال الفقيه - رحمه اللّه - وفي الآية إشكال في موضعين : أحدهما في اللفظ والآخر في المعنى ؛ فأما الذي في اللفظ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ذكر جماعة القلوب ثم قال : وَعَلى سَمْعِهِمْ ذكر بلفظ الوحدان ثم قال : وَعَلى أَبْصارِهِمْ ذكر بلفظ الجمع ، فجوابه : إن السمع مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع ، فلهذا المعنى - واللّه أعلم - ذكر بلفظ الوحدان . وقد قيل : معنى وَعَلى سَمْعِهِمْ أي : موضع سمعهم ، لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع . وقد قيل : إن الإضافة إلى الجماعة تغني عن لفظ الجماعة ، لأنه قال : وَعَلى سَمْعِهِمْ فقد أضاف إلى الجماعة ، والشيء إذا أضيف إلى الجماعة مرة يذكر بلفظ الجماعة ، ومرة يذكر بلفظ الوحدان ، فلو ذكر القلوب والأبصار بلفظ الوحدان لكان سديدا في اللغة ؛ فذكر البعض بلفظ الوحدان ، والبعض بلفظ الجماعة ؛ وهذه علامة الفصاحة ، لأن كتاب اللّه تعالى أفصح الكلام . وأما الإشكال الذي في المعنى أن يقال : إذا ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ، فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة ؟ والجواب عن هذا : أن يقال : إنه ختم مجازاة لكفرهم . كما قال في آية أخرى : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 155 ] لأن اللّه تعالى قد يسر عليهم سبيل الهدى ، فلو جاهدوا لوفقهم ، كما قال تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] ، فلما لم يجاهدوا واختاروا الكفر عاقبهم اللّه تعالى في الدنيا بالختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم ، وفي الآخرة بالعذاب العظيم . وروي عن مجاهد أنه قال : من أول سورة البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين ، وآيتان في نعت الكافرين ، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين . وروي عن مقاتل أنه قال : آيتان من أول السورة في نعت المؤمنين المهاجرين ، وآيتان في نعت المؤمنين غير المهاجرين ، وآيتان في نعت مؤمني أهل الكتاب ، وآيتان في نعت الكفار ، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين من قوله : وَمِنَ النَّاسِ إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 8 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 )